سياسة

مغرب 2026: من ربيع الإنجاز إلى خريف الحساب.. حين تتحول الرؤية الملكية إلى أثر مباشر في حياة المغاربة

أش واقع؟

عبد الله مشواحي الريفي

almassarpresse@gmail.com

حينما كتبنا في صيف 2011 عن “ثورة الحساب والعقاب” بالتزامن مع الحراك الدستوري للمملكة، كان الرهان متمحوراً حول صياغة تعاقد جديد يقطع مع “مغرب الأمس”. واليوم، ونحن في عام 2026، قطع المغرب أشواطاً عملاقة في هندسة سيادته الإقليمية، وبنيته التحتية، وتموقعه الدولي كقوة صاعدة؛ بفضل رؤية ملكية استشرافية نقلت البلاد إلى نادي “الدول الاستراتيجية”.

غير أن هذه القفزة الماكرو-اقتصادية والسياسية الكبرى ما زالت تصطدم، محلياً، بجيوب مقاومة وفلول انتهازية تعيش بعقليات الماضي. إن المعركة اليوم لم تعد معركة نصوص أو دساتير، بل هي معركة تنزيل، وتخليق، وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة؛ معركة يقودها جلالة الملك محمد السادس بحزم عبر “مفهوم جديد للجدية”، ليبقى السؤال المطروح بالشارع المغربي: هل استوعبت النخب الإدارية والسياسية أن قطار مغرب 2026 لا يقبل المتخاذلين؟

الرؤية الملكية: “الجدية الاستراتيجية” كخيار وحيد للمستقبل

إن المتأمل في الخطب والتوجيهات الملكية الأخيرة يدرك أن القيادة العليا للبلاد وضعت خطاً فاصلاً بين منطقين: منطق الدولة التي تحث الخطى نحو التحديث (ورش الحماية الاجتماعية الشاملة، الدعم الاجتماعي المباشر، الرقمنة، والاستعداد لـ مونديال 2030)، ومنطق بعض الفاعلين الميدانيين الذين يعطلون هذه العجلة ببيروقراطيتهم أو بفسادهم.

لقد أسست الرؤية الملكية لـ “مغرب الجدية”، وهي رسالة واضحة وصريحة مفادها أن الاستهتار بمصالح المواطنين لم يعد مجرد خطأ تدبيري، بل هو “خيانة” للمشروع التنموي الوطني. بناءً على هذا المنظور المتجدد، نفتح اليوم عمود “الحساب والعقاب” بنسخته المحدثة، لنصوب قلم النقد نحو القطاعات التي تحتاج ثورة حقيقية لتواكب الطموح الملكي:

 الورش البرلماني والسياسي: ثورة على “كائنات التزكية” ومحترفي المقاعد

  • ثورة على النخب الحزبية التقليدية: التي ما زالت تنتج الوعود الانتخابية الموسمية، وتفتقر للقابلية في تجديد نخبها، معطلةً بذلك أدوار “الوساطة السياسية” ومقوضةً ثقة الشباب في العمل المؤسساتي.

  • ثورة على “نواب الحصانة لا الخدمة”: أولئك الذين يستغلون مجلس التشريع لمتابعة مصالحهم الاستثمارية الخاصة، متناسين أن المقعد النيابي تكليف وطني للدفاع عن قضايا الشعب، وليس درعاً لحماية المكتسبات الشخصية أو التهدر المالي.

 المنظومة الصحية والتعليمية: نحو أنسنة المرفق وتخليق المهام

  • ثورة على سماسرة قطاع الصحة: في زمن تعميم التغطية الصحية الإجبارية (AMO)، لا مكان لطبيب يرى في أنين المريض البسيط فرصة للاغتناء غير المشروع عبر “النوار”، ولا مكان لتدبير استشفائي يترك المواطن في طوابير المواعيد البعيدة بينما الأجهزة الطبية العمومية معطلة بفعل فاعل لتوجيه الزبائن نحو المصحات الخاصة.

  • ثورة على المتاجرين بالتحصيل العلمي: أولئك الذين يرهقون كاهل الأسر المغربية بالدروس الخصوصية الإجبارية المقنعة، أو يضربون جودة التعليم العمومي في مقتل لصالح حسابات ضيقة، في الوقت الذي تضخ فيه الدولة ميزانيات ضخمة لإصلاح المدرسة العمومية ورد الاعتبار للأستاذ والتلميذ معاً.

    الاقتصاد والعدالة الاجتماعية: حماية القدرة الشرائية كأولوية
    في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية، يواصل المغرب تعزيز آليات حماية السوق الداخلية، وضبط سلاسل التوزيع، ومحاربة كل أشكال المضاربة غير المشروعة، بما يضمن استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

    كما أن دعم الفلاحين الصغار، وتشجيع الاستثمار المحلي، وتحفيز التشغيل، يشكل جزءاً من رؤية متكاملة تهدف إلى جعل النمو الاقتصادي أكثر شمولاً وإنصافاً، بحيث ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطن.

 الإدارة، الرقمنة، ومحاربة الكبح الاستثماري

ثورة على حراس “البيروقراطية المقيتة”: الذين يعطلون تفعيل “التبسيط الإداري” والرقمنة الشاملة؛ لأن رقمنة المساطر تسحب من تحت أرجلهم بساط “الزبونية” والابتزاز المالي، وتعيد السلطة للمواطن عبر نقرة زر واحدة.

  • ثورة على معرقلي الاستثمار المحلي والجهوي: من موظفين ومنتخبين يضعون العصا في عجلة المقاولات الشابة ومشاريع مغاربة العالم، بدل تسهيل المساطر عبر المراكز الجهوية للاستثمار، تماشياً مع الميثاق الجديد للاستثمار الذي يراهن عليه المغرب لخلق فرص الشغل.

 صيانة كرامة المواطن: الأمن، القضاء، والسلامة الاجتماعية

  • ثورة على مستغلي البدلة والوظيفة: فبينما تبصم الأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة على كفاءة دولية وتفانٍ ميداني يحمي استقرار الوطن، يجب الضرب بيد من حديد على أي شطط فردي في استعمال السلطة أو ابتزاز طرقي يحط من كرامة المواطن أو يسيء لسمعة المرفق العام.

  • ثورة على المضاربين والمحتكرين لـ “قوت المغاربة”: الذين يستغلون سياق الإجهاد المائي أو الأزمات المستوردة لرفع أسعار المواد الأساسية واللحوم والخضروات بشكل غير مبرر، متلاعبين بالاستقرار الاجتماعي والقدرة الشرائية للمواطن البسيط.

  • ثورة على قوارب الوهم الفكري: حتى لا يقع شبابنا فريسة لخطاب اليأس والإحباط الذي تروجه بعض الجهات، بل يجدون في بلدهم بيئة خصبة لتكافؤ الفرص، ومباريات توظيف شفافة ترفع الكفاءة فوق المحسوبية والقرابة.

 زمن المقاربة الحازمة.. الحساب قبل فوات الأوان

إن مغرب اليوم، الذي يستعد لتنظيم أرقى المحافل العالمية ويقود قاطرة التنمية في إفريقيا، لم يعد يملك ترف الوقت لمجاملة المتقاعسين أو التستر على المفسدين. لقد انتقلت الدولة من مرحلة “التنبيه” إلى مرحلة “التفعيل الزجري”، وما نراه من تحريك لملفات قضائية ثقيلة تطيح برؤساء جماعات، ومنعشين عقاريين، وبرلمانيين، وموظفين كبار، لتدل على أن “مقصلة المحاسبة” باتت تشتغل بآلية آلية لا تستثني أحداً.

إن الوفاء للجهود الملكية السامية يقتضي من كل مواطن، وكل مسؤول، وكل صحفي غيور، أن يكون شريكاً في هذه الثورة الأخلاقية والتدبيرية. فالمغرب يسير بسرعة فائقة نحو المستقبل، ومن لم يستطع مجاراة هذه السرعة بنزاهة وجدية، فإن مكانه الطبيعي هو المساءلة وراء القضبان، لأن كرامة المغرب والمغاربة فوق كل اعتبار.

الرعاية الملكية السامية: صمام الأمان وقائد ثورة التخليق الكبرى

يبقى جلالة الملك محمد السادس، بحكمته وتبصره، هو القائد الفعلي والمحرك الأساسي لثورة التخليق والتحديث التي تشهدها المملكة. إن جلالته لم يكتفِ برسم المعالم الكبرى لمغرب السيادة والتنمية، بل جعل من المؤسسة الملكية صمام الأمان الأول لحماية حقوق المغاربة وصون كرامتهم. من خلال إطلاق جلالته لـ”مفهوم الجدية” كعقيدة تسييرية ملزمة، وضعت الرؤية الملكية السامية حداً فاصلاً لزمن الإفلات من العقاب؛ حيث يتابع جلالته شخصياً وبشكل دؤوب مسارات تنزيل المشاريع الاجتماعية الكبرى، موجهاً القضاء والأجهزة الرقابية للضرب بيد من حديد على يد كل من تسول له نفسه العبث بقوت المواطنين أو تعطيل عجلة النماء. إن القيادة الملكية الرشيدة تبرهن يوماً بعد يوم على أن العرش والشعب في خندق واحد ضد الفساد، وأن الإرادة الملكية السامية عازمة على العبور بالمغرب نحو قمم الحداثة والريادة الدولية بنخب نزيهة، ومؤسسات قوية، ومواطنة حقة لا مكان فيها للمتقاعسين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى