غلاء الأضاحي بالمغرب: حين يبتلع “تعدد الوسائط” دعم الدولة وجيوب المواطنين

مع اقتراب شعيرة عيد الأضحى، تحولت الأسواق المغربية من فضاءات للبهجة والطقوس الدينية إلى “ساحات حارقة” تكتوي بنيران أسعار غير مسبوقة. فرغم التطمينات الرسمية وفرة العرض، إلا أن الواقع على أرض “الرحبة” يروي قصة أخرى؛ بطلها كبش يتجاوز سعره سقف الـ 7000 درهم، وضحيتها مواطن يجد نفسه بين مطرقة الواجب الديني وسندان العجز المالي.
مفارقة الدعم: أين اختفى أثر “ملايير” الدولة؟
تطرح التساؤلات اليوم بحدة حول نجاعة الدعم العمومي الذي ضخته الحكومة في قطاع الفلاحة. فالدولة لم تقف مكتوفة الأيدي، بل قدمت دعماً مباشراً لمستوردي الأغنام (500 درهم للرأس) وأعفت أعلاف الماشية من الضريبة على القيمة المضافة، بالإضافة إلى برامج دعم الكسابة لمواجهة الجفاف.
لكن، وبالنظر إلى اشتعال السوق، يبدو أن هذا الدعم قد “تبخر” في الطريق قبل أن يصل أثره إلى المستهلك النهائي. وهنا تكمن العقدة: لماذا يدفع المواطن ثمن “الأزمة” مرتين؟ مرة من خلال الضرائب التي تمول الدعم العمومي، ومرة ثانية عند شراء الأضحية بأسعار خيالية.
لوبيات “الشناقة”: الأيادي الخفية التي تشعل السوق
إذا كان الكساب (الفلاح الصغير) يشتكي من غلاء الأعلاف والجفاف، وهو حق أريد به باطل في كثير من الأحيان لتبرير الزيادات، فإن المتهم الحقيقي الذي يجمع عليه الخبراء هو “الشناق” أو المضارب.
هذه الفئة تسيطر على سلاسل التوزيع، حيث تشتري القطعان من الضيعات بأسعار معقولة، لتعيد بيعها في الأسواق الحضرية بزيادات تفوق 30% أو 40%. إنها “سلسلة التوسط” التي تقتات على جيوب المغاربة، مستغلة غياب المراقبة الصارمة في نقط البيع العشوائية، وحاجة الأسر المغربية للالتزام بالشعيرة مهما كلف الثمن.
من يدفع المغاربة نحو “مقصلة” الغلاء؟
يمكن تلخيص العوامل التي تضغط على أعصاب المغاربة هذا العام في ثلاث نقاط محورية:
-
فشل آليات الضبط: استمرار منطق “السوق الحر” في قطاع اجتماعي حساس كأضحية العيد، دون تدخل حازم لفرض تسعيرة مرجعية أو محاصرة الوسطاء.
-
تزامن الأزمات: لم يعد الأمر يتعلق بالجفاف فقط، بل بتآكل القدرة الشرائية بفعل التضخم الهيكلي، مما جعل مبلغ 3000 درهم (الذي كان يشتري كبشاً ممتازاً) لا يكفي اليوم حتى لاقتناء “خروف صغير”.
-
الاستهلاك العاطفي: استغلال المضاربين للجانب النفسي والديني للمغاربة، الذين يرفضون تمضية العيد بدون أضحية، مما يجعل الطلب “صلباً” وغير مرن تجاه الأسعار.
نحو ضرورة إعادة النظر في “نموذج العيد”
إن ما يحدث اليوم في الأسواق المغربية يتجاوز كونه “غلاءً موسمياً”؛ إنه جرس إنذار حول فوضى التدبير في سلاسل اللحوم الحمراء. فلاح مدعوم لا يخفض الثمن، ووسيط يغتني في ظرف أسبوعين، ومواطن يضطر للاقتراض ليدخل الفرحة على أبنائه.
إن إصلاح هذا الوضع لا يمر عبر لجان المراقبة الموسمية فقط، بل عبر مأسسة عملية البيع، والضرب بيد من حديد على يد “لوبيات الشناقة”، وضمان وصول الدعم الحكومي إلى جيب المستهلك بشكل مباشر، وإلا فإن “فرحة العيد” ستتحول تدريجياً إلى “غصة اقتصادية” تهدد السلم الاجتماعي لآلاف الأسر المغربية.






