دعم بالملايير وأسعار تشتعل… انتقادات برلمانية تكشف حدود سياسة الحكومة في مواجهة الغلاء

يتواصل الجدل داخل قبة البرلمان وخارجها حول جدوى الدعم الذي تخصصه الحكومة لقطاع النقل، في وقت لم ينعكس فيه هذا الإجراء بشكل ملموس على القدرة الشرائية للمواطنين. فقد وجّه برلمانيون من المعارضة انتقادات حادة لهذا التوجه، معتبرين أن ضخ أموال عمومية ضخمة تحت عنوان “دعم مهنيي النقل” لم ينجح في كبح جماح الأسعار، بل زاد من تعقيد المشهد الاقتصادي والاجتماعي.
وفي قراءة تحليلية لهذا الوضع، يتضح أن الإشكال لا يرتبط فقط بآليات الدعم، بل بطبيعة السياسة الاقتصادية المعتمدة برمتها. فرغم أن الحكومة تسعى إلى التخفيف من كلفة النقل، إلا أن استمرار ارتفاع أسعار المحروقات يفرغ هذا الدعم من مضمونه، نظراً لتأثيره المباشر على سلاسل الإنتاج والتوزيع. وهو ما ينعكس بشكل واضح على أسعار المواد الأساسية، خاصة الخضر والفواكه واللحوم والأسماك، إلى جانب مختلف المواد الغذائية التي تعرف زيادات متتالية أنهكت جيوب المغاربة.
ويرى منتقدون أن هذا التناقض يعكس غياب رؤية مندمجة، حيث يتم دعم حلقة من سلسلة الاقتصاد دون معالجة جذور الأزمة. فتكلفة النقل، رغم أهميتها، تبقى مرتبطة عضوياً بأسعار الطاقة، التي تشكل المحدد الرئيسي لأسعار السوق. وبالتالي، فإن أي دعم لا يواكبه تدخل مباشر لضبط أسعار المحروقات أو تقليص هوامش الربح، يظل إجراءً جزئياً محدود الأثر.
كما يثير هذا الوضع تساؤلات عميقة حول المستفيد الحقيقي من هذا الدعم. إذ يعتبر معارضون أن غياب آليات صارمة للمراقبة وربط الدعم بشروط واضحة، مثل تسقيف الأسعار أو تحديد هامش الربح، يفتح الباب أمام استغلاله من طرف بعض الوسطاء، مما يحوله من أداة لحماية المستهلك إلى رافعة غير مباشرة لتغذية اقتصاد الريع.
وفي السياق ذاته، يتعزز الانطباع بأن الحكومة لا تعتمد سياسة “الصدمات الاقتصادية” أو التدخلات القوية والمؤقتة التي من شأنها إحداث توازن سريع في السوق، ولو بشكل ظرفي. فغياب قرارات جريئة، مثل مراجعة نظام تحرير أسعار المحروقات أو إعادة تشغيل مصفاة “سامير” أو فرض تسقيف مرحلي للأسعار، يعكس – بحسب متابعين – محدودية في أدوات التدخل، وميلاً إلى حلول تدريجية لا ترقى إلى حجم الأزمة.
هذا النهج، وإن كان يراعي التوازنات المالية، إلا أنه يطرح تحدياً حقيقياً على المستوى الاجتماعي، في ظل تآكل القدرة الشرائية واتساع دائرة التذمر. فالمواطن، في نهاية المطاف، لا يقيس السياسات بالنوايا، بل بوقعها المباشر على حياته اليومية، وهو ما يجعل الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي تتسع بشكل مقلق.
ومع تزايد الضغوط، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تقييم شاملة للسياسات العمومية المرتبطة بالأسعار والدعم، بما يضمن تحقيق العدالة الاقتصادية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوجيه الموارد العمومية نحو الفئات الأكثر تضرراً بشكل مباشر وفعّال.
إن استمرار الوضع على ما هو عليه لا يهدد فقط التوازنات الاجتماعية، بل يضع مصداقية السياسات الحكومية على المحك، في وقت تتطلب فيه المرحلة قرارات حاسمة تعيد الثقة للمواطن، وتؤسس لنموذج اقتصادي أكثر إنصافاً ونجاعة.






