توقيف رجال سلطة بفاس يفتح زلزال التعمير… والوالي آيت طالب يعلن نهاية زمن التساهل وربط المسؤولية بالمحاسبة

في خطوة حازمة تعكس تشديد القبضة على ملف التعمير، أقدمت مصالح عمالة فاس مؤخراً على توقيف خليفة قائد وعون سلطة برتبة شيخ حضري عن ممارسة مهامهما، على خلفية الاشتباه في تسترهما على خروقات عمرانية خطيرة بحي المرجة التابع للنفوذ الترابي لمقاطعة زواغة.
وتفيد المعطيات المتوفرة أن القرار جاء بعد تحقيقات إدارية دقيقة، كشفت تورط المعنيين في غض الطرف عن تغييرات غير قانونية طالت بنايات بعد حصولها على رخص السكن، من بينها إضافة شرفات، فتح نوافذ جديدة، وإدخال تعديلات على التصاميم الأصلية خارج المساطر القانونية.
وما تزال التحقيقات متواصلة تحت إشراف مصالح عمالة فاس، مع احتمال إحالة الملف على القضاء فور استكمال البحث وترتيب المسؤوليات القانونية.
من توقيفات فردية إلى ملف بنيوي ثقيل
هذا القرار لا يمكن فصله عن سياق أوسع يعيشه قطاع التعمير بمدينة فاس، الذي ظل لسنوات عنواناً لفوضى عمرانية واسعة، ساهمت في انتشار البناء العشوائي وتحوّل أطراف المدينة إلى أحياء غير مهيكلة، تفتقر لأبسط شروط التهيئة الحضرية.
وتشير معطيات سابقة إلى أن هذا الوضع لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات طويلة ارتبطت بضعف المراقبة وتداخل الاختصاصات، وأحياناً تواطؤات وصفت بالخطيرة داخل بعض مستويات التدبير المحلي.
ملف 400 رخصة… نقطة سوداء في تدبير التعمير
من أبرز الملفات التي فجرت الجدل داخل مقاطعة زواغة، ما تم الكشف عنه بخصوص أكثر من 400 رخصة بناء وُصفت بغير المطابقة للقانون، يُشتبه في تورط مسؤولين منتخبين، من بينهم رئيس المقاطعة ونائبه المكلف بالتعمير، في تمريرها خارج الضوابط القانونية.
هذا المعطى شكل في حينه صدمة قوية، لأنه كشف كيف يمكن أن تتحول رخص التعمير من وثائق تنظيمية إلى أدوات لتكريس الفوضى العمرانية، ما ساهم في تعميق اختلالات بنيوية انعكست على النسيج الحضري للمدينة.
فاس بين إرث الفوضى ومشروع إعادة الهيكلة
تراكم هذه الاختلالات جعل من فاس مدينة مثقلة بإرث عمراني معقد، حيث توسعت أحياء غير مهيكلة، وتزايدت ما يُوصف بـ“الأحزمة العشوائية”، في ظل ضغط ديمغرافي وغياب صارم للتنظيم في فترات سابقة.
ويرى متتبعون أن هذه الوضعية لم تؤثر فقط على جمالية المدينة، بل امتدت إلى الجانب الاجتماعي، حيث ساهمت في إنتاج هوامش حضرية تعاني من هشاشة في البنيات والخدمات.
الوالي آيت طالب يعلن مرحلة “صفر تسامح”
في هذا السياق، يبرز الدور الحازم لوالي جهة فاس-مكناس خالد آيت طالب، الذي يقود مقاربة جديدة في تدبير ملف التعمير، قائمة على ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم التسامح مع أي اختلال مهما كان مصدره.
وتفيد المعطيات أن المقاربة الجديدة ترتكز على ثلاث أولويات رئيسية:
- تطهير إداري شامل من خلال توقيف كل من يثبت تورطه في التستر أو التسهيل.
- توسيع دائرة المحاسبة لتشمل رجال السلطة، منتخبين، ومسؤولين إداريين دون استثناء.
- تشديد المراقبة على رخص التعمير لمنع أي تحايل على التصاميم أو استغلال غير قانوني للمساطر.
نهاية زمن “التساهل” في التعمير
المعطيات المتداولة تؤكد أن المرحلة الحالية تمثل نقطة تحول حقيقية في طريقة تدبير ملف التعمير بفاس، حيث تم الانتقال من منطق التساهل إلى منطق الحزم، خاصة بعد حوادث سابقة أبرزها انهيارات عمرانية مأساوية هزت الرأي العام.
وفي هذا الإطار، تؤكد مصادر متتبعة أن الرسالة أصبحت واضحة: لا حماية لأي متورط، ولا استثناء لأي جهة، وأن كل متر من البناء غير القانوني سيكون تحت مجهر المراقبة.
نحو إعادة ضبط الخريطة الحضرية
الهدف المعلن اليوم لا يقتصر على العقاب، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة هيكلة المشهد العمراني للمدينة، وتفكيك شبكات الاستغلال غير القانوني لرخص البناء، وإعادة الاعتبار لمدينة فاس كقطب حضري منظم.
وبين إرث ثقيل من الفوضى العمرانية ومقاربة جديدة قائمة على الصرامة، تبدو المدينة مقبلة على مرحلة إعادة ترتيب شاملة، عنوانها الأساسي: لا أحد فوق القانون في ملف التعمير.






