إنارة فاس تحت مجهر المساءلة: صفقات الرافعات تثير الجدل وسط اتهامات بهدر المال العام وتدبير مرتبك

تعود ملفات التدبير المحلي بمدينة فاس إلى واجهة الجدل من جديد، وهذه المرة من بوابة قطاع الإنارة العمومية، الذي يعيش على وقع اختلالات متراكمة، في وقت اختار فيه عمدة المدينة عبد السلام البقالي المضي في فتح صفقات جديدة لاقتناء ثلاث رافعات، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول جدواها وأولوياتها في ظل وضع ميداني يوصف بـ“المتردي”.
إقدام جماعة فاس على اقتناء رافعات جديدة يطرح أكثر من علامة استفهام، خصوصاً وأن القطاع نفسه يعاني من ضعف المردودية وغياب التغطية الشاملة لعدد من الأحياء، ما يجعل هذا الاستثمار، بحسب متتبعين، أقرب إلى توسيع دائرة النفقات بدل معالجة جوهر الأزمة.
وتزداد حدة التساؤلات بالنظر إلى غياب معطيات واضحة حول مصير الرافعات التي تم اقتناؤها خلال الولاية السابقة، حيث لم يتم إلى حدود الساعة تقديم أي توضيحات للرأي العام بشأن وضعيتها الحالية: هل هي معطلة؟ أم خارج الخدمة؟ أم تم التخلص منها بطرق غير معلنة؟
المعطيات المتداولة تشير أيضاً إلى تساؤلات قانونية مرتبطة بكيفية تمرير هذه الصفقات، خاصة ما إذا كانت قد عُرضت فعلاً ضمن جداول أعمال دورات المجلس الجماعي وتمت المصادقة عليها بشكل شفاف، أم أنها مرت عبر مساطر إدارية لا تعكس نقاشاً مؤسساتياً حقيقياً داخل المجلس.
وفي ظل هذا الغموض، تتعالى الأصوات المطالبة بفتح نقاش عمومي حول آليات صرف المال العام داخل الجماعة، ومدى احترام قواعد الحكامة والشفافية في تدبير الصفقات المرتبطة بقطاع حيوي يمس الحياة اليومية للمواطنين.
أخطر ما يطفو على السطح في هذا الملف هو ما راج خلال فترات سابقة بخصوص منح سندات الطلب لشركات يُقال إنها مرتبطة بمقربين من منتخبين، دون أن يتم فتح أي تحقيق رسمي في هذه المعطيات، وهو ما يكرس، في نظر متابعين، مناخاً من الشك حول طرق تدبير هذا القطاع.
غياب المساءلة في مثل هذه الملفات يطرح تساؤلات جوهرية حول دور أجهزة المراقبة، وحول مدى تفعيل آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بخدمات عمومية تمس سلامة المواطنين وجودة عيشهم.
بعيداً عن الأرقام والصفقات، يكشف الواقع اليومي لساكنة فاس صورة مقلقة لقطاع الإنارة العمومية: أعمدة متهالكة، أسلاك كهربائية مكشوفة على الأرصفة، أحياء تغرق في الظلام، وتأخر مزمن في الاستجابة لطلبات الإصلاح.
هذه الوضعية لا تعكس فقط خللاً تقنياً، بل تفضح عجزاً بنيوياً في التدبير، حيث يجد موظفو الجماعة والمقاطعات أنفسهم غير قادرين على مواكبة حجم الأعطاب والشكايات المتزايدة، في ظل نقص الوسائل وضعف التنظيم.
إصرار مجلس جماعة فاس على الإبقاء على تدبير قطاع الإنارة العمومية بشكل مباشر يثير بدوره الكثير من الجدل، خاصة وأن تجارب مدن أخرى أظهرت نجاعة تفويض هذا النوع من الخدمات لشركات متخصصة، قادرة على توفير الصيانة الدورية وضمان استمرارية الخدمة بجودة أعلى.
ويرى عدد من المتتبعين أن اللجوء إلى شركات جهوية أو فاعلين متخصصين كان من شأنه تخفيف العبء عن الجماعة، وتحسين مردودية القطاع، بدل الاستمرار في نموذج تدبيري أثبت محدوديته على أرض الواقع.
المفارقة الصارخة تكمن في استمرار ضخ الأموال في قطاع لا تعكس نتائجه حجم الإنفاق المرصود له، ما يعزز الانطباع بوجود خلل عميق في تحديد الأولويات، بل ويطرح احتمال هدر المال العام في غياب تقييم دقيق للنجاعة.
وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات الموجهة إلى عمدة المدينة عبد السلام البقالي لتقديم توضيحات دقيقة للرأي العام، ليس فقط حول صفقة الرافعات الجديدة، بل أيضاً حول التدبير العام للقطاع، ومآل التجهيزات السابقة، وآليات صرف سندات الطلب.
أمام هذا الوضع، يبدو أن قطاع الإنارة العمومية بفاس في حاجة ماسة إلى افتحاص شامل، يحدد مكامن الخلل ويكشف حقيقة الصفقات والتجهيزات، ويعيد ترتيب الأولويات وفق مقاربة ترتكز على النجاعة والشفافية.
فاستمرار الوضع على ما هو عليه لا يهدد فقط جودة الخدمات، بل يمس أيضاً بثقة المواطنين في المؤسسات المحلية، ويجعل من ملف الإنارة العمومية عنواناً بارزاً لاختلالات التدبير الحضري داخل المدينة.
في ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال معلقاً: هل سيتحرك المجلس الجماعي لتصحيح المسار وفتح الملفات العالقة؟ أم أن صفقات جديدة ستُضاف إلى رصيد الجدل دون محاسبة حقيقية؟
الأكيد أن ساكنة فاس لم تعد تقبل بتبريرات جاهزة، بل تنتظر أفعالاً ملموسة تعيد الضوء إلى شوارع المدينة… بالمعنى الحرفي والمؤسساتي معاً.






