المجلس الأعلى للسلطة القضائية يفعّل المادة 13: دفعة قوية للصلح والوساطة داخل المحاكم التجارية

في خطوة تعكس تحوّلاً نوعياً في مقاربة تدبير المنازعات داخل المحاكم، أصدر المجلس الأعلى للسلطة القضائية دورية جديدة تروم التفعيل الأمثل لمقتضيات المادة 13 من القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، واضعاً آليات الصلح والوساطة الاتفاقية في صلب الرؤية الجديدة للعدالة الناجعة والسريعة.
الدورية الجديدة تؤكد أن وظيفة المحكمة لم تعد محصورة في إصدار الأحكام والفصل التقليدي في الخصومات، بل باتت تمتد إلى الاضطلاع بدور استباقي في توجيه الأطراف نحو حلول رضائية، تُجنبهم طول أمد التقاضي وتكلفته، وتُسهم في تعزيز الثقة في المؤسسة القضائية. ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة في القضايا ذات الطابع التجاري والبنكي، لما لها من تأثير مباشر على مناخ الأعمال ودينامية الاستثمار.
ويأتي هذا التفعيل في سياق وطني يتطلع إلى تحديث العدالة التجارية، وتسريع وتيرة البت في النزاعات ذات الصلة بالمعاملات الاقتصادية، بما يواكب التحولات التي يعرفها الاقتصاد الوطني، ويعزز جاذبية المملكة كوجهة استثمارية مستقرة وواضحة القواعد.
ودعا المجلس رؤساء المحاكم الابتدائية التجارية إلى الانخراط الجدي والمسؤول في تنزيل مقتضيات المادة 13، عبر تنظيم اجتماعات دورية مع القضاة لتدارس الإشكالات التطبيقية، وتبادل الرؤى حول أفضل السبل لتكريس ثقافة الحلول البديلة. كما ألزمهم بإعداد تقارير تقييمية كل ثلاثة أشهر تُرفع إلى المجلس، تتضمن حصيلة التفعيل والصعوبات المسجلة، مع إشعاره الفوري بأي عراقيل قد تحول دون تحقيق الأهداف المرجوة.
وشددت الدورية على الدور المحوري للقاضي المقرر، باعتباره فاعلاً أساسياً في توجيه النزاع منذ مراحله الأولى، من خلال اقتراح اللجوء إلى الصلح أو الوساطة الاتفاقية قبل عرض الملف على الهيئة الجماعية. كما أكدت على ضرورة تقييم قابلية كل نزاع للحل الرضائي عند دراسة القضايا، بما يسمح باختيار الآلية الأنسب لطبيعة النزاع ومصالح الأطراف.
وفي السياق ذاته، حثّ المجلس على تكثيف جهود التحسيس بأهمية الوسائل البديلة، عبر إبراز مزاياها في تقليص الزمن القضائي، وخفض الكلفة، والحفاظ على العلاقات التعاقدية والتجارية بين المتنازعين، بما يضمن حماية المصالح المشتركة ويعزز الاستقرار القانوني.
ويرى متتبعون أن هذه الخطوة تمثل دعامة إضافية في مسار إصلاح منظومة العدالة، إذ تُكرّس انتقال القضاء من دور الحَكَم الفاصل فقط، إلى دور الوسيط والمُيسّر للحلول، بما ينسجم مع المعايير الدولية الحديثة في تدبير النزاعات، ويعكس إرادة واضحة في ترسيخ عدالة فعّالة، مرنة، ومواكِبة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية.






