سياسة

ذكرى 20 فبراير: حين ارتدى جلالة الملك محمد السادس جبّة “إطفائي الحرائق الاجتماعية” وأنقذ المغرب من سيناريوهات الدمار

تقرير صحفي: عبدالله مشواحي الريفي

 اللحظة التي حبس فيها العالم أنفاسه

في مثل هذا اليوم  20 فبراير من عام 2011، لم يكن العالم ينظر إلى المغرب كدولة معزولة، بل كان ينظر إليه كقطعة أخيرة في “دومينو” التساقط الذي ضرب المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج. كانت رياح “الربيع العربي” عاتية، تجتاح الحدود وتقتلع الأنظمة التي ظن الكثيرون أنها أبدية. وفي تلك اللحظة الحرجة، التي اختلط فيها الطموح الشعبي بالأجندات الخارجية وتآمر التيارات الهدامة، برزت المؤسسة الملكية المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، كـ “ماكينة” وحيدة للتدبير الاستراتيجي، في وقت أصيبت فيه النخب الحزبية بالدهشة، وارتبكت المؤسسات التقليدية، وتراجعت الأحزاب إلى “المناطق الرمادية”.

1. سياق “الزلزال العربي” وموقع المغرب من الإعصار

عندما اندلعت شرارة الحراك في سيدي بوزيد بتونس، ثم ميدان التحرير بالقاهرة، وصولاً إلى طرابلس وصنعاء ودمشق، كان المنطق السائد هو “الصدام”. أنظمة واجهت شعوبها بالرصاص، وأخرى بالإنكار، وثالثة بالهروب. أما المغرب، فكان يمتلك “ترمومتراً” سياسياً فريداً يقبع في القصر الملكي.

لقد كان جلالة الملك محمد السادس يدرك منذ اعتلائه العرش أن الإصلاح لا يجب أن يكون “رد فعل” على أزمة، بل “عقيدة مستمرة”. لكن حراك 20 فبراير وضع هذا التوجه أمام اختبار “النار”. كانت العواصم الكبرى تسقط، وكان السؤال الدولي: “هل سينضم المغرب إلى القائمة؟”. واليوم، وبعد عقد ونصف، ندرك أن الجواب كان يكمن في “العبقرية المغربية” التي حوّلت المطالب الاحتجاجية إلى محرك لقفزة تاريخية نحو الأمام.

2. إطفائي النيران الاجتماعية: الملك في مواجهة الفراغ الحزبي

من أعمق التحليلات لتلك الحقبة، هو رصد “الشلل” الذي أصاب الطبقة السياسية. فالأحزاب المغربية، سواء منها التي كانت في الحكومة أو المعارضة، وجدت نفسها عاجزة عن تقديم إجابة سياسية مقنعة للشارع. تراجعت هذه الأحزاب،و إختفى زعمائها،وهناك من سجل أنه هرب الى خارج البلاد، بل إن بعضها من التيارات الإسلامية حاول استمالة الحراك خوفاً من ضياع المواقع، فهناك من قرر الركوب على الحراك كحزب العدالة و التنمية وهناك من قرر خوض غمار سقوط النظام كجماعة العدل و الإحسان،فيما إختار التيار اليساري الرديكالي المنزلة بين المنزلتين”.

هنا، برز جلالة الملك محمد السادس بصفته “المحرك الوحيد” (The Sole Motor) للدولة. لم يكن الملك مجرد رئيس للدولة، بل كان “إطفائي نيران” بامتياز، امتلك الشجاعة السياسية لينزل إلى جوهر المطالب. لم يكن رد الفعل أمنياً، بل كان “رد فعل سيادياً ودستورياً”. لقد أدرك الملك أن الشارع لا يريد إسقاط النظام، بل يريد “مملكة تحت مظلة النظام و تحت سقف الملكية”،و يوازيها إصلاحات عميقة و محاربة الفساد، وهي القوة الروحية والتاريخية التي جعلت المغرب مختلفاً عن ليبيا القذافي أو مصر مبارك.

3. تحالف “المتناقضات” ومحاولات السطو على الحراك

لا يمكن قراءة 20 فبراير دون الحديث عن “القوى الخفية” التي حاولت الركوب على الموجة. لقد تشكل “تحالف الأضداد” بين تيارات إسلامية راديكالية (جماعة العدل والإحسان نموذجاً) وبين تيارات يسارية راديكالية (النهج الديمقراطي واليسار الاشتراكي الموحد). كان هذا التحالف “زواج مصلحة” بامتياز؛ فالإسلامويون أرادوا “الخلافة” واليساريون أرادوا “الجمهورية”، وكلاهما اجتمع على هدف واحد: محاولة إضعاف المؤسسة الملكية،فيما كان غالبية المغاربة و القبائل و الأقاليم تردد بصوت واحد “ملكنا واحد محمد السادس”.

كان هؤلاء يريدون جرّ المغرب إلى “منطق الميادين” المفتوحة والتناحر الأهلي. لقد استغلوا مطالب الشباب المشروعة في الكرامة والتشغيل، وحاولوا شحنها بأيديولوجيات هدامة تهدف إلى تفكيك الدولة من الداخل. لكن الملك، بخطاب 9 مارس الشهير، وجه “ضربة معلم” سياسية، حيث سحب البساط من تحت أقدام المزايدين. فبينما كانوا يطالبون بالاحتجاج، كان الملك يفتح باب “التعديل الدستوري الشامل”، محولاً الصراع من “الشارع” إلى “صناديق الاقتراع” وطاولات الحوار الوطني.

4. خطاب 9 مارس: الوثيقة التي أعادت صياغة المغرب

يعتبر خطاب 9 مارس 2011 أعظم تجسيد لـ “الاستثناء المغربي”. في هذا الخطاب، لم يكتفِ جلالة الملك بتقديم تصور جديد للإصلاح، بل أعلن عن “ثورة مؤسساتية”. لقد وضع الملك سبعة مرتكزات كبرى للإصلاح الدستوري، أهمها:

  • دسترة الأمازيغية: كرافد للهوية الوطنية، لقطع الطريق على النزعات العرقية.

  • فصل السلط وتوازنها: عبر منح رئيس الحكومة صلاحيات تنفيذية واسعة تجعله المسؤول الأول عن الإدارة.

  • تقوية استقلال القضاء: ليكون الحصن المنيع للحقوق والحريات.

  • دسترة الحكامة الجيدة: لمحاربة الفساد والريع.

هذا الخطاب كان بمثابة “جهاز إطفاء” عملاق أخمد النيران قبل أن تشتعل، وحول الطاقة السلبية للاحتجاج إلى طاقة إيجابية للبناء. فبينما كانت الدول العربية الأخرى تدخل في “متاهات انتقالية” لا تنتهي، كان المغرب ينهي صياغة دستوره في غضون أشهر قليلة.

5. دستور 2011: العقد الاجتماعي الجديد

جاء دستور 2011 ليكون “الجواب المغربي” على أسئلة الربيع العربي. لقد كان دستوراً “غير مسبوق” في تاريخ المملكة، حيث انتقل بالمغرب الى إعلان ثورة جديدة وهي ثورة اصلاحات و البناء و التقدم . لقد صوت المغاربة بكثافة على هذا الدستور، وهي اللحظة التي أدرك فيها العالم أن “الشرعية التاريخية” للأسرة العلوية تمتزج بـ “الشرعية الديمقراطية” المتجددة. هذا الدستور كان الصخرة التي تكسرت عليها أطماع التيارات المتطرفة و الراديكالية؛ فقد وجدوا أنفسهم معزولين عن نبض الشعب الذي اختار الاستقرار والتطور في ظل العرش.

6. الحصاد الجيوسياسي: كيف انتصر المغرب بالتاريخ؟

اليوم، ونحن نحيي هذه الذكرى في عام 2026، يكفي أن نلقي نظرة على الخارطة الإقليمية لنعرف حجم الإنجاز الذي حققه الملك محمد السادس.

  • تونس: التي كانت “مهد الربيع”، دخلت في دوامات سياسية واقتصادية لم تجد منها مخرجاً حتى اليوم.

  • ليبيا وسوريا واليمن: تحولت إلى ساحات لتصفية الحسابات الدولية وضياع السيادة والدمار الشامل.

  • مصر: مرت بمسارات صعبة لاستعادة الاستقرار بتكلفة اجتماعية واقتصادية باهظة.

أما المغرب، فقد استثمر “الوقت الضائع” لدى الآخرين ليبني نفسه:

  1. الريادة القارية: عاد المغرب للاتحاد الإفريقي بقوة، وأصبح المستثمر الأول في غرب إفريقيا، ومحاوراً لا غنى عنه لأوروبا وأمريكا.

  2. الأوراش الكبرى: لم تتوقف عجلة البناء؛ من القطار فائق السرعة (TGV) إلى ميناء طنجة المتوسط، وصولاً إلى تعميم الحماية الاجتماعية وتطوير الصناعات الدفاعية.

  3. الأمن القومي: نجح المغرب في الحفاظ على أمنه القومي وسط إقليم ملتهب، بل وأصبح “مصدراً للاستقرار” عبر وساطاته في ليبيا وغيرها.

  4. تأهيل شامل للمدن و إحتضان تاريخي لكأس إفريقيا و إستعداد قوي لكأس العالم وهو اول تنظيم من تأسيس الدولة المغربية.

7. المؤسسة الملكية: صمام الأمان في زمن “عديمي الضمير”

لقد أثبتت أحداث 2011 وما تلاها أن الملكية في المغرب ليست مجرد نظام حكم، بل هي “عروة وثقى” تجمع شتات المغاربة. ففي زمن “عديمي الضمير” من السياسيين الذين يتاجرون بهموم الناس، ومن التيارات التي تبيع “أوهام الثورة” لتصل إلى “كراسي الحكم”، تظل الملكية هي الطرف الذي “يسمو” عن الحسابات الانتخابية الضيقة. لقد واجه الملك محمد السادس “حراك 20 فبراير” بقلب مفتوح وعقل استراتيجي، مبرهناً على أن “الملكية المواطنة” هي القادرة على تحقيق تطلعات الشباب دون إراقة قطرة دم واحدة، ودون التفريط في سيادة الدولة.

 استشراف المستقبل بعيون “الاستثناء المغربي”

إن ذكرى 20 فبراير اليوم هي “وقفة تأمل” في مسار أمة يقودها ملك حكيم. لقد ربح المغرب رهان التاريخ لأن قيادته لم تخَف من التغيير، بل كانت هي “صانعة التغيير”. لقد أثبت جلالة الملك محمد السادس أن الأنظمة لا تسقط بسبب “المطالب”، بل تسقط بسبب “الانغلاق”. المغرب اليوم، وهو يواصل مسيرته نحو آفاق 2030 وما بعدها، يستمد قوته من تلك اللحظة التي قال فيها الملك لشعبه: “أنا معكم في الإصلاح، وأنا الضامن لهذا الإصلاح”.

تحية لذكاء شعب، وبصيرة ملك، وتاريخ سيبقى شاهداً على أن المغرب كان، ولا يزال، عصياً على الانكسار، وقادراً على تحويل كل أزمة إلى ملحمة كبرى للنجاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى