“الشناقة” يهزمون الحكومة مع بداية رمضان… لا صوت يعلو فوق صوت الغلاء وموائد المغاربة تندب حالها

مع أولى أيام شهر رمضان المعظم، لم يكن الصيام وحده ضيف الأسر المغربية، بل سبقته موجة جديدة من الارتفاعات الصاروخية في أسعار المواد الغذائية الأساسية، في مشهد يختصر عنوان المرحلة: السوق ينتصر، والقدرة الشرائية تتراجع، وشعارات الحماية تتكسر على صخرة الواقع.
في عدد من الأسواق عبر مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء وفاس، قفزت أسعار الخضر والفواكه إلى مستويات غير مسبوقة مع بداية الشهر الفضيل. اللحوم الحمراء عادت لتلامس 100 درهم للكيلوغرام في بعض نقاط البيع، الدجاج استقر في حدود 18 درهماً، والسردين بلغ 25 درهماً، وسط تفاوتات تعكس غياب تسقيف فعلي للأسعار.
رمضان بين روحانية الشهر وقسوة السوق
رمضان في الوجدان المغربي شهر الكرم والتضامن، لكنه تحول في السنوات الأخيرة إلى موسم ضغط اقتصادي خانق. الطلب يرتفع، نعم، لكن ما يحدث يتجاوز منطق العرض والطلب. الأسعار لا ترتفع تدريجياً، بل تقفز فجأة، وكأن السوق يعيش على إيقاع المضاربة أكثر مما يخضع لقواعد المنافسة الشريفة.
“القفة” اليومية باتت تثقل كاهل الأسر محدودة ومتوسطة الدخل. مواد أساسية كانت في متناول الجميع أصبحت تخضع لحسابات دقيقة داخل البيوت. موائد المغاربة، التي كانت عامرة بالتنوع، بدأت تميل إلى التقشف القسري.
تعدد الوسطاء… والنتيجة يدفعها المستهلك
اقتصادياً، لا يمكن إنكار تأثير زيادة الطلب خلال رمضان، لكن تفسير الارتفاعات الحادة يمر عبر حلقات الوساطة المتعددة. ما بين الفلاح أو المنتج، وتاجر الجملة، ثم الوسيط، ثم بائع التقسيط، يتضخم السعر في كل محطة.
هنا يبرز الدور الذي يُنسب شعبياً إلى “الشناقة”، أي المضاربين الذين يستغلون الظرفية الموسمية لتحقيق هوامش ربح سريعة. تعدد الوسطاء وغياب شفافية هوامش الربح يرفعان الثمن النهائي بشكل يتجاوز أحياناً الكلفة الحقيقية للإنتاج والنقل.
والنتيجة؟ المنتج يشتكي من ضعف هامش الربح، والمستهلك يشتكي من الغلاء، بينما الحلقة الوسيطة تواصل التمدد.
الحكومة في مرمى الانتقاد
الحكومة رفعت مراراً شعار حماية القدرة الشرائية، وتحدثت عن تعزيز المراقبة ومحاربة الاحتكار. لكن مع كل موسم استهلاكي قوي، يتكرر نفس السيناريو: تطمينات رسمية، لجان مراقبة، ثم أسعار تواصل الصعود.
الثقة تُبنى بالأثر الملموس لا بالبلاغات. وعندما يلاحظ المواطن أن الأسعار تتغير بشكل شبه يومي، وأن الفارق بين سوق وآخر كبير، فإن الشعور بعدم الضبط يتعمق. هنا يتشكل الانطباع بأن السوق أقوى من أدوات المراقبة، وأن “الشناقة” يربحون الجولة.
القدرة الشرائية تحت الحصار
الموظفون، العمال اليوميون، وأصحاب الدخل المحدود هم أول من يدفع الثمن. هذه الفئات لا تملك هامشاً لامتصاص الزيادات المتتالية، ما يفرض عليها تقليص الاستهلاك أو الاستغناء عن بعض المواد.
رمضان الذي يفترض أن يكون شهراً للطمأنينة يتحول إلى امتحان يومي للحسابات الدقيقة داخل الأسر. ومع كل ارتفاع جديد، تتسع فجوة الثقة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.
هل الغلاء قدر موسمي؟
السؤال الجوهري اليوم: هل أصبح الغلاء قدراً موسمياً مرتبطاً برمضان وغيره من المواسم، أم أنه نتيجة اختلالات هيكلية في منظومة التسويق والتوزيع؟
المطلوب يتجاوز الحملات الظرفية، ويتجه نحو إصلاح عميق يشمل:
-
تقليص عدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك؛
-
تعزيز الشفافية داخل أسواق الجملة؛
-
تفعيل صارم لآليات زجر المضاربة والاحتكار؛
-
دعم الإنتاج الوطني بشكل ينعكس مباشرة على استقرار الأسعار.
كما أن توجيه دعم مباشر للفئات الهشة خلال المواسم ذات الاستهلاك المرتفع قد يشكل صمام أمان اجتماعي حقيقي.
الرهان أكبر من الأسعار
المسألة لم تعد اقتصادية فقط، بل اجتماعية وثقافية أيضاً. فالمائدة الرمضانية ليست مجرد استهلاك، بل رمز للتكافل والاستقرار الأسري. وإذا استمر الغلاء في محاصرتها، فإن الأثر سيمتد إلى منسوب الثقة في السياسات العمومية.
اليوم، لا صوت يعلو فوق صوت الغلاء. وموائد المغاربة تندب حالها في صمت. بين روحانية الشهر وضجيج السوق، يبقى التحدي الحقيقي هو استعادة التوازن، حتى لا يتحول رمضان كل عام إلى موسم انتصار جديد للمضاربين على حساب المواطن البسيط.






