ملاسنات حادة وتبادل اتهامات خطيرة.. مجلس فاس يتحول إلى “سوق للمزايدات” وانشقاق داخل الأغلبية يفضح “ريع الجمعيات”

لم تكن الجلسة الثانية من دورة فبراير لمجلس مجلس جماعة فاس، المنعقدة أمس الثلاثاء 17 فبراير 2026، مجرد محطة عادية ضمن أجندة تدبير الشأن المحلي، بل تحولت إلى مشهد سياسي صادم عرى واقع الأغلبية المسيرة، وكشف حجم التصدعات الداخلية التي تنخر جسم المجلس، في لحظة وُصفت من طرف متابعين بأنها بداية انهيار مرحلة اتسمت بالارتجال وغياب الرؤية الاستراتيجية لتدبير العاصمة العلمية.
منذ الدقائق الأولى، بدا واضحاً أن القاعة الكبرى للجماعة لن تحتضن نقاشاً مؤسساتياً هادئاً، بل مواجهة مفتوحة بين مكونات المجلس، اختلط فيها السياسي بالشخصي، والاتهام بالتلميح، لتتحول الجلسة إلى ما يشبه “محاكمة علنية” لأداء المكتب المسير.
انشقاق من داخل الأغلبية.. انسحاب احتجاجي يهز التوازنات
الحدث الأبرز الذي طبع الدورة كان إعلان أحد أعضاء الأغلبية انسحابه الاحتجاجي من الجلسة، في خطوة اعتبرها مراقبون سابقة خطيرة داخل التحالف المسير. الانسحاب لم يكن مجرد موقف انفعالي، بل جاء مصحوباً باتهامات مباشرة للمكتب، وبتصريحات نارية حول ما وصفه بـ”الإقصاء الممنهج” لجمعيات فاعلة وجادة، مقابل تمكين “جمعيات محسوبة انتخابياً” من منح مالية وازنة.
العضو المنسحب تحدث صراحة عن “زبونية سياسية” في تدبير الدعم العمومي، واعتبر أن توزيع المنح لم يعد يخضع لمعايير موضوعية أو لحاجيات تنموية حقيقية، بل تحوّل إلى آلية لإرضاء قواعد انتخابية وضمان ولاءات مستقبلية.
هذا الخروج العلني كشف حجم الاحتقان داخل الأغلبية، وأكد أن الخلافات لم تعد تُدار في الكواليس، بل انفجرت أمام الرأي العام، في مشهد يختزل هشاشة التحالف الذي يقود المدينة.
60 اتفاقية تحت المجهر.. تحالف المصلحة يطغى على الخطاب الأخلاقي
أحد المحاور التي فجّرت الجدل كان التصويت على أكثر من 60 اتفاقية شراكة، أغلبها مع جمعيات رياضية، خصوصاً كروية. الجلسة تحولت إلى ساحة لتبادل الاتهامات بين الأغلبية والمعارضة بشأن معايير الانتقاء وحجم الدعم.
المعارضة اتهمت مكونات الأغلبية بمحاباة “جمعيات الموالاة الانتخابية”، بينما ردّت أطراف من الأغلبية باتهام المعارضة بازدواجية الخطاب. غير أن المفارقة الكبرى تمثلت في أن الجميع صوّت في النهاية لصالح المنح، في مشهد وصفه متابعون بـ”تحالف المصلحة”، حيث تغلب الحساب الانتخابي على أي اعتبارات مبدئية.
هذا الإجماع المصلحي أثار تساؤلات حقيقية حول جدوى النقاشات الصاخبة، ما دام مآلها واحداً: تمرير الاتفاقيات دون تعديل جوهري في منهجية التوزيع أو آليات المراقبة.
مليون درهم وملف الكلاب الضالة.. من مشروع بيئي إلى معركة سياسية
الجدل لم يتوقف عند الجمعيات الرياضية، بل امتد إلى اتفاقية تتعلق برعاية الكلاب الضالة، بعدما فجّرت منحة بقيمة مليون درهم مشادة حادة بين العمدة وأحد المستشارين.
الخلاف تمحور حول طريقة تدبير المنحة، ومعايير صرفها، وسط اتهامات لرئيسة إحدى الجمعيات بمحاولة الاستحواذ على دعم دولي مخصص للمشروع. ورغم أن الموضوع في ظاهره تقني وبيئي، إلا أنه سرعان ما تحوّل إلى مواجهة سياسية عكست مناخ الشك المتبادل داخل المجلس.
هذا الجدل زاد من حدة الانطباع العام بأن تدبير الملفات يتم في أجواء يغلب عليها غياب الشفافية وسوء التواصل، ما يفتح الباب أمام التأويلات والاتهامات،وهنا من قال ان هذه الجمعية متورطة في النصب على مؤسسات أجنبية و أن رئيستها تقطن بالخارج ولا علاقة لها بجمعيات الكلاب الضالة و لن تستطيع تنزيل دفتر التحملات وان همها هو اخذ 100 مليون ومغادرة التراب الوطني.
ضائقة مالية وسخاء انتقائي.. تناقض صارخ في الأولويات
تأتي هذه التطورات في سياق تعاني فيه الجماعة من ضائقة مالية متكررة، ومن تأخر في إنجاز عدد من المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية الأساسية. فالمدينة تعيش على وقع شكاوى متواصلة تتعلق بضعف الإنارة العمومية، اهتراء الطرق، اختلالات النظافة، وتعثر مشاريع التأهيل الحضري.
في المقابل، يُسجَّل “سخاء” ملحوظ في تمويل أنشطة لا يعتبرها كثيرون أولوية ملحّة، ما عمّق الشعور بغياب رؤية متكاملة لتدبير الموارد المحدودة.
هذا التناقض بين خطاب الأزمة المالية وواقع توزيع المنح، يعزز فرضية سوء ترتيب الأولويات، ويفتح النقاش حول مدى انسجام القرارات المالية مع الحاجيات الحقيقية للمدينة وسكانها.
عبد السلام البقالي في قلب العاصفة
وسط هذا المشهد المتوتر، يتصدر اسم عمدة فاس، عبد السلام البقالي، واجهة الانتقادات. فبصفته المسؤول الأول عن تدبير شؤون الجماعة، يجد نفسه في مرمى نيران المعارضة، وجزء من الأغلبية، فضلاً عن الرأي العام المحلي.
منتقدوه يعتبرون أن ما وقع خلال الدورة ليس سوى نتيجة طبيعية لتراكم اختلالات في أسلوب التدبير، وغياب قيادة سياسية قادرة على ضبط الإيقاع داخل الفريق المسير. ويذهب البعض إلى أن العمدة بات محاصراً بأزمة ثقة داخل مجلسه، ما يضعف قدرته على فرض الانسجام والوضوح في القرارات.
في المقابل، يرى مقربون منه أن الجدل جزء من دينامية سياسية طبيعية داخل مؤسسة منتخبة، وأن تمرير الاتفاقيات في النهاية يعكس استمرار عمل المجلس رغم الخلافات.
غير أن المؤكد أن صورة المجلس اهتزت بقوة، وأن ما جرى ترك أثراً عميقاً في الوعي الجماعي للساكنة.
ولاية جهة فاس-مكناس.. بين سلطة الوصاية وضغط الرأي العام
أمام تصاعد الاتهامات المتعلقة بما سُمي “ريع الجمعيات”، ترتفع مطالب بضرورة تدخل ولاية جهة فاس-مكناس بصفتها سلطة وصاية، من أجل:
-
التدقيق في معايير منح الدعم للجمعيات.
-
مراجعة مساطر إبرام اتفاقيات الشراكة.
-
التأكد من مطابقة القرارات للقوانين التنظيمية المؤطرة للجماعات الترابية.
-
إحالة أي ملفات يثبت فيها تجاوز للقانون على الجهات القضائية المختصة.
الرأي العام الفاسي بات أكثر حساسية تجاه قضايا تدبير المال العام، خصوصاً في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المدينة. لذلك، فإن أي شبهة اختلال أو غياب للشفافية تضعف الثقة في المؤسسات المنتخبة.
أزمة أعمق من دورة.. هل دخل المجلس مرحلة العد العكسي؟
ما وقع في دورة فبراير لا يمكن اختزاله في مشادات عابرة أو اختلافات ظرفية، بل يعكس أزمة أعمق في بنية التحالف المسير، وفي منطق تدبير الشأن المحلي.
فانشقاق من داخل الأغلبية، وتبادل الاتهامات حول الزبونية، والتصويت الجماعي بدافع انتخابي، كلها مؤشرات على اهتزاز الثقة داخل المجلس، وعلى غياب رؤية موحدة لإخراج فاس من أزماتها المتراكمة.
العاصمة العلمية تحتاج إلى أكثر من صراعات داخل القاعة الكبرى؛ تحتاج إلى مشروع تنموي واضح، وترتيب صارم للأولويات، وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة.
أما إذا استمرت الأمور على هذا المنوال، فإن دورة فبراير 2026 قد تُسجَّل في ذاكرة المدينة ليس كجلسة عادية، بل كنقطة تحول كشفت هشاشة التدبير، وفتحت الباب أمام مرحلة سياسية جديدة عنوانها الأبرز: مساءلة حقيقية عن مصير مدينة بحجم فاس.






