سياسة

أدوية المغاربة في قبضة “كارتيلات” النفوذ: هل يملك مجلس المنافسة الجرأة لفتح “العلبة السوداء” وفضح صفقات “تحت الطاولة”؟

هل يستطيع مجلس المنافسة أخيراً اقتحام “المناطق المحرمة” وفك شفرة أخطر علبة سوداء في الاقتصاد المغربي؟ هذا هو السؤال الذي يتردد اليوم في ردهات المؤسسات الدستورية، بعد أن فُتح ملف “احتار الأدوية” على مصراعيه. نحن أمام ملف حارق يتجاوز كونه قضية اقتصادية، ليكون “فضيحة أخلاقية” تضع صحة المغاربة في مزاد علني تتحكم في خيوطه شبكة معقدة من ذوي النفوذ، والوزراء، والمقربين الذين جعلوا من أنين المرضى مصدراً لمراكمة الثروات.

أرقام صادمة: أدوية في المغرب أغلى بـ 600% من أوروبا!

في وقت تتبجح فيه الحكومة بشعارات “الدولة الاجتماعية”، تصطدم الحقيقة المرة بواقع مرير؛ حيث تشير تقارير ومعطيات ميدانية إلى أن أسعار بعض الأدوية الحيوية في الصيدليات المغربية تفوق مثيلاتها في الجيران الأوروبيين (مثل فرنسا وإسبانيا) بنسب مهولة تصل أحياناً إلى 600%.

هذا الفارق الصادم ليس نتيجة تكاليف الإنتاج، بل هو “ضريبة الاحتكار” التي يؤديها المواطن المغربي لفائدة لوبيات ترفض دخول “الدواء الجنيس” وتعرقل المنافسة الحرة ليبقى المريض رهينة لأسعار خيالية تُفرض تحت جنح الظلم والقانون المشوه.

فضيحة الـ AMM: “الحظر الممنهج” لصالح المحتكرين

خلال الاجتماع العاصف الذي عقده مجلس المنافسة يوم الثلاثاء 27 يناير 2026 مع ممثلي الفرق النيابية، تفجرت معطيات تقشعر لها الأبدان حول كيفية إدارة تراخيص الوضع في السوق (AMM).

  • التعطيل المتعمد: يتم تعطيل منح التراخيص للأدوية الجديدة والمنافسة لمدد تصل إلى 3 سنوات، والهدف واضح: “حماية المحتكرين” ومنع أي ريح لمنافسة قد تخفض الأسعار.

  • إعدام الخبرات: في خطوة مريبة، تم إنهاء مهام الأطر الخبيرة في اختبار الأدوية وإلحاقهم بالإدارة المركزية، مع ترك المختبر الوطني بـ 6 آلات فقط، مما أدى لتقليص التراخيص من 300 إلى 60 فقط بين 2024 و2025. إنها عملية “تجفيف منابع” ممنهجة لصالح الحيتان الكبيرة.

شبهة تضارب المصالح: وزراء وشركات فوق القانون!

أخطر ما في الملف هو ما كشف عنه “مصطفى ابراهيمي” (العدالة والتنمية) أمام رئيس مجلس المنافسة، بخصوص شبهة تضارب المصالح الصارخة لأعضاء داخل الحكومة.

  • صفقات “تحت الطاولة”: كيف لشركة أدوية كانت على وشك الإفلاس، ويملكها مسؤول نافذ بلا خبرة صيدلانية، أن تستحوذ فجأة على عدد ضخم من طلبات العروض والتراخيص الاستثنائية (ATU)؟

  • انعدام الشفافية: وزارة الصحة متهمة بحجب المعلومات الحيوية لكي لا تطلع عليها الشركات المنافسة، مما يجعل صفقات الأدوية والغازات الطبية (الأوكسجين) حكراً على “نادي المقربين” وسط شبهات تفاهمات سرية تدر الملايير.


الأوكسجين والغازات الطبية: احتكار برائحة الموت

لم تتوقف الفضيحة عند الأقراص، بل امتدت لتشمل الأوكسجين والغازات الطبية، حيث تسيطر شركات قليلة لا تملك حتى صفة “مقاولة صناعية للصيدلة” على السوق، مع ممارسة تضييق ممنهج على الشركات الموزعة لمولدات الأوكسجين، مما يجعل حياة المغاربة في الأزمات الصحية تحت رحمة “كارتيلات” لا ترحم.


الخلاصة: هل ينفجر الدمل؟

إن صحة المغاربة ليست مجالاً للمزايدات في صفقات وهمية، وما يجري اليوم هو “جريمة مكتملة الأركان” في حق الأمن الصحي للمملكة. المطلوب من مجلس المنافسة:

  1. فضح المستفيدين: الكشف عن الأسماء والشركات التي تقتات على جيوب المرضى.

  2. تفكيك الاحتكار: إنهاء سيطرة “ذوي النفوذ” على التراخيص الاستثنائية.

  3. تحقيق العدالة السعرية: لا يعقل أن يدفع المغربي ستة أضعاف ما يدفعه الأوروبي في دواء منقذ للحياة.

لقد حان الوقت لتنفجر هذه القنبلة الموقوتة، وليعرف المغاربة من يتاجر بآلامهم في الغرف المظلمة. فهل يستطيع مجلس المنافسة قلب الطاولة، أم أن يد “اللوبي” أطول من يد القانون؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى