حين يتحول التقويم إلى قرار مركزي: هل تفرغ “مؤسسات الريادة” اللامركزية من مضمونها؟

لم يعد تدخل وزارة التربية الوطنية في منظومة التقويم محصوراً في ضبط الأطر المرجعية والمعايير العامة، بل انتقل، وفق متتبعين، إلى مستوى أدق يتمثل في الإشراف المباشر على إنجاز الفروض وتحديد مواعيدها داخل ما بات يُعرف بـ“مؤسسات الريادة”. هذا التحول يفتح نقاشاً عميقاً حول حدود استقلالية المؤسسة التعليمية، ويطرح علامات استفهام كبرى بشأن مصير خيار اللامركزية الذي شكل أحد أعمدة الإصلاحات التربوية المتعاقبة.
فالتوجه الجديد، القائم على توحيد مواضيع الفروض وجدولتها زمنياً بشكل مركزي، يعكس نزوعاً واضحاً نحو تدبير تقني فوقي، يضيق من هامش التصرف البيداغوجي المحلي، ويعيد نقل القرار من فضاء المؤسسة إلى المركز، ليس فقط في التوجيه العام، بل في تفاصيل المراقبة المستمرة نفسها. وهو ما يعتبره فاعلون تربويون انزلاقاً نحو “هندسة تعليمية مركزية” قد تمس جوهر الاستقلالية المفترضة للمؤسسات.
ويزداد هذا الجدل حدة عندما يُطرح شعار “الإنصاف وتكافؤ الفرص” في سياق تقويم موحد لا يراعي التفاوتات المجالية والاختلالات البنيوية التي تعانيها المنظومة التعليمية. إذ يجد تلاميذ في مناطق عرفت انقطاعات متكررة للدراسة، أو خصاصاً في الأطر والوسائل، أنفسهم خاضعين لنفس الاختبارات، في نفس التوقيت، وعلى نفس المضامين، إلى جانب تلاميذ استفادوا من مسار تعلّمي منتظم وظروف أكثر استقراراً.
وفي هذا الإطار، يرى عدد من الخبراء أن فرض “مساواة شكلية” في لحظة الامتحان، دون ضمان “مساواة فعلية” في شروط التعلم، يُعد خروجاً عن المقاربة الحقوقية السليمة، ويحوّل التقويم الموحد من أداة لقياس الكفايات إلى آلية قد تعيد إنتاج الفوارق المجالية بدل تقليصها.
ويذهب متابعون للشأن التربوي إلى أن نموذج “مؤسسات الريادة”، في صيغته التنظيمية الحالية، لم يعد يكتفي بوضع ضوابط عامة للتقويم، بل أصبح يتجه نحو ضبط دقيق لزمن الفروض ومواضيعها، في ما يشبه إدارة مركزية لمسار المراقبة المستمرة. هذا التحول، بحسبهم، يصطدم مع الفلسفة التي قامت عليها الإصلاحات التربوية منذ الميثاق الوطني، والتي راهنت على اللامركزية واللاتمركز واستقلالية المؤسسة التعليمية.
كما يُسجَّل أن منطق “التوحيد الشامل” يُقدَّم رسمياً كآلية لضمان جودة التعلمات وتحقيق العدالة بين المتعلمين على الصعيد الوطني، غير أن هذا الطرح يصطدم سريعاً بواقع ميداني غير متكافئ: مؤسسات تعاني خصاصاً مزمناً، وأخرى تأثرت بعوامل مناخية أو تنظيمية عطلت الزمن المدرسي، مقابل مؤسسات اشتغلت في ظروف شبه مثالية. وفي ظل هذا التباين، تصبح نتائج التقويم الموحد انعكاساً لاختلال العرض التربوي أكثر من كونها مؤشراً دقيقاً على مستوى تحكم المتعلمين في الكفايات.
ويرى مختصون أن الحديث عن الإنصاف لا يمكن اختزاله في تعميم نفس الفرض ونفس التاريخ، بل يفترض، أولاً، ضمان الحق المتساوي في زمن التعلم، والدعم البيداغوجي، والموارد البشرية والتجهيزات، قبل الانتقال إلى منطق المحاسبة والتقييم. فحين تُقاس النتائج بأداة موحدة، بينما تختلف شروط التحصيل جذرياً، تتحول العدالة التعليمية إلى مجرد شعار.
وفي المحصلة، يطرح نظام التقويم الموحد داخل “مؤسسات الريادة” سؤالين جوهريين: الأول يتعلق بمدى صمود خيار اللامركزية واستقلالية المؤسسة أمام نزوع مركزي تقني يميل إلى التحكم في التفاصيل؛ والثاني يرتبط بقدرة هذا النموذج على الانسجام مع مقاربة حقوقية حقيقية للإنصاف، تعتبر أن العدالة في التعليم لا تُبنى فقط بتوحيد الاختبارات، بل أساساً بتقويم شروط التعلم ذاتها، ومعالجة الاختلالات المجالية والبيداغوجية عبر إعادة توزيع منصفة للموارد والدعم.






