سياسة

بنكيران يقصف السلفي السابق الفيزازي… صدام إيديولوجي حاد يكشف تصدعات المرجعيات

لم تكن احتفالات فاتح ماي 2026 بالدار البيضاء لحظة عمالية عابرة، بل انفجرت كمنصة مواجهة مفتوحة، اختلط فيها السياسي بالديني، وتحولت إلى مشهد صدامي صريح يعكس حجم التوتر الذي يعيشه المشهد الحزبي قبل استحقاقات شتنبر. في قلب هذا المشهد، اختار الأمين العام لحزب حزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، أن يخرج عن منطق التحفظ، موجهاً هجوماً لاذعاً على الشيخ محمد الفيزازي، في رد مباشر على تدوينة فجّرت الجدل.

شرارة المواجهة… تدوينة تُشعل النار

البداية لم تكن سوى كلمات نشرها الفيزازي على حسابه، لكنها كانت كافية لإشعال مواجهة مفتوحة. الرجل لم يخفِ تشاؤمه من مستقبل الحزب، مستحضراً أرقام التراجع الانتخابي، ومقدماً قراءة سوداوية تتوقع مزيداً من الانحدار.

لكن ما اعتبره الفيزازي “تحليلاً”، قرأه بنكيران كـ”رغبة في الإعدام السياسي”، ومحاولة مفضوحة لدفع الحزب نحو الهامش. وهنا، لم يتردد في الرد، بل اختار لغة مباشرة، حادة، وصادمة.

بنكيران… خطاب هجومي بلا فرامل

في سابقة لافتة، صعّد بنكيران لهجته إلى أقصى حد، مستعملاً خطاباً أقرب إلى “القصف السياسي” منه إلى النقاش التقليدي. لم يكتفِ بتفنيد ما جاء في تدوينة الفيزازي، بل ذهب أبعد من ذلك، مهاجماً شخصه ومصداقيته، ومشككاً في خلفياته.

الرسالة كانت واضحة: لا أحد فوق النقد، ولا حصانة لأي صوت يهاجم الحزب، حتى وإن كان بلباس ديني. بنكيران، الذي بدا وكأنه يخوض معركة شخصية، حاول قلب الطاولة، مقدماً نفسه كضحية حملة ممنهجة تستهدفه وتستهدف الحزب.

من السياسة إلى الدين… كسر الخطوط الحمراء

أخطر ما في هذا السجال، أنه لم يتوقف عند حدود السياسة، بل انزلق إلى المجال الديني، حيث طعن بنكيران في صورة الفيزازي كـ”فقيه”، ووجه له عبارات ساخرة تشكك في شرعيته الرمزية.

هذا التحول يعكس تصعيداً غير مسبوق، حيث لم يعد الصراع يدور فقط حول البرامج أو النتائج الانتخابية، بل امتد إلى الرموز والمرجعيات، في مشهد يكشف عن أزمة عميقة في العلاقة بين الفاعل السياسي والفاعل الدعوي.

رسائل مشفرة… ومعركة ما قبل الانتخابات

خلف هذا الخطاب الناري، تختبئ رسائل متعددة. بنكيران لا يخاطب الفيزازي فقط، بل يوجه كلامه إلى قواعده الحزبية، وإلى خصومه في آن واحد. الرسالة الأولى: الحزب لم يمت. والثانية: الهجوم لن يُواجَه بالصمت.

في سياق يستعد فيه المغرب لانتخابات تشريعية حاسمة، يبدو أن بنكيران اختار استراتيجية “الهجوم كخط دفاع أول”، رافضاً الاكتفاء بدور المتلقي للانتقادات، وساعياً إلى إعادة تعبئة قواعده عبر خطاب صدامي يعيد رسم خطوط المواجهة.

حزب في مفترق الطرق

لا يمكن فصل هذا السجال عن الوضعية التي يعيشها حزب العدالة والتنمية، بعد التراجع الكبير الذي شهده في انتخابات 2021. الحزب، الذي كان يقود الحكومة، وجد نفسه خارج مراكز القرار، وهو ما جعله في مواجهة تحدي إعادة البناء.

وفي هذا السياق، يبدو أن بنكيران يحاول استعادة زمام المبادرة، ليس فقط عبر التنظيم، بل أيضاً عبر الخطاب، حتى وإن كان ذلك يعني الدخول في مواجهات حادة.

بين الشعبوية والتعبئة… أي أفق؟

الأسلوب الذي اعتمده بنكيران يثير نقاشاً واسعاً: هل هو تعبير عن جرأة سياسية مطلوبة في لحظة أزمة، أم انزلاق نحو خطاب شعبوي قد يزيد من تعقيد المشهد؟

هناك من يرى أن هذا الخطاب يعيد الحيوية إلى النقاش السياسي، ويكسر الرتابة، فيما يعتبره آخرون دليلاً على احتقان خطير، قد ينعكس سلباً على صورة الفاعل السياسي.

 مشهد سياسي على صفيح ساخن

ما جرى في فاتح ماي لم يكن مجرد سجال عابر، بل مؤشر على مرحلة جديدة من الصراع السياسي في المغرب، عنوانها التصعيد، وتداخل المجالات، وغياب الخطوط الفاصلة بين السياسي والديني.

وبين عبد الإله بنكيران ومحمد الفيزازي، تتجسد مواجهة أعمق، تعكس صراعاً حول التأثير، والشرعية، والمستقبل.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سينجح هذا الأسلوب الهجومي في إعادة الحزب إلى الواجهة، أم أنه سيزيد من عزلة المشهد السياسي ويعمّق فجوة الثقة مع الرأي العام؟ المؤكد أن الطريق إلى انتخابات 2026 لن يكون هادئاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى