
في خطوة تعكس وضوح الرؤية الاستراتيجية للمغرب داخل المنظومة الكروية الدولية، أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، برئاسة فوزي لقجع، دعمها الرسمي لترشيح جياني إنفانتينو لولاية رابعة على رأس الاتحاد الدولي لكرة القدم، في المؤتمر الانتخابي المرتقب تنظيمه بالعاصمة الرباط يوم 18 مارس 2027.
هذا الموقف لا يمكن قراءته فقط كإعلان دعم عابر، بل كرسالة سياسية ورياضية قوية تؤكد تموقع المغرب كفاعل مؤثر في صناعة القرار الكروي العالمي، وتكشف في الآن ذاته عن قناعة راسخة بضرورة استمرار قيادة إنفانتينو في هذه المرحلة المفصلية من تطور كرة القدم.
دعم مغربي صريح… وثقة بلا منازع
في مراسلتها الرسمية إلى الكتابة العامة للفيفا، شددت الجامعة على دعمها “الحصري” لإنفانتينو، مؤكدة أنها لن تنخرط في أي مبادرة أخرى لصالح مرشح بديل. هذا الحسم المبكر يعكس مستوى الثقة التي يحظى بها الرجل، ليس فقط داخل دوائر القرار، بل أيضًا لدى اتحادات وطنية وازنة، وفي مقدمتها المغرب.
فبالنسبة للرباط، لا يتعلق الأمر فقط بشخص، بل بمسار كامل من الإصلاحات التي أعادت تشكيل خريطة كرة القدم العالمية، وفتحت آفاقًا جديدة أمام القارات الصاعدة، خاصة إفريقيا.
إنفانتينو… مهندس التحول الكروي العالمي
منذ توليه رئاسة الفيفا سنة 2016، قاد جياني إنفانتينو سلسلة من الإصلاحات العميقة، شملت توسيع قاعدة المشاركة في كأس العالم، وتعزيز الدعم المالي للاتحادات الوطنية، وتطوير البنية التحتية الكروية في مناطق كانت مهمشة لسنوات.
لكن الأهم، هو أن إنفانتينو أعاد الاعتبار لفكرة “عدالة التمثيل” داخل كرة القدم العالمية، عبر منح القارات غير الأوروبية، وعلى رأسها إفريقيا، حيزًا أكبر في المشاريع والبرامج التنموية. وهو ما جعل اسمه يرتبط، في نظر العديد من المتتبعين، بمرحلة “دمقرطة” اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
وفي هذا السياق، يرى فاعلون رياضيون أن إنفانتينو لا يملك فقط حصيلة قوية، بل رؤية مستقبلية متكاملة، تجعله المرشح الأجدر بقيادة الفيفا في السنوات المقبلة، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي تعرفها الرياضة العالمية.
المغرب… قوة صاعدة في الكرة الإفريقية والعالمية
دعم المغرب لإنفانتينو يأتي أيضًا من موقع قوة. فالمملكة لم تعد مجرد مشارك في التظاهرات القارية والدولية، بل أصبحت رقمًا صعبًا في معادلة كرة القدم الإفريقية.
الإنجاز التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم 2022، حين بلغ نصف النهائي، لم يكن سوى تتويج لمسار طويل من الاستثمار في البنية التحتية والتكوين. كما أن استضافة المغرب لعدد من التظاهرات الكبرى، وترشحه المشترك لتنظيم كأس العالم 2030، يعززان صورته كقطب كروي صاعد.
هذا الحضور القوي يمنح للموقف المغربي وزنًا خاصًا داخل الفيفا، ويجعل من دعمه لإنفانتينو عاملًا مؤثرًا في موازين القوى داخل المؤسسة.
شراكة استراتيجية… وآفاق مشتركة
الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أكدت، في بلاغها، أن دعمها لإنفانتينو يأتي أيضًا تقديرًا “للعمل الكبير” الذي قام به رفقة فريقه من أجل تطوير كرة القدم الإفريقية والعالمية. كما شددت على رغبتها في مواصلة التعاون المثمر مع هياكل الفيفا، في أفق تحقيق مزيد من التقدم.
هذه الشراكة لم تكن وليدة اليوم، بل هي نتاج سنوات من التنسيق والعمل المشترك، خاصة في مجالات التكوين، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز حضور إفريقيا في مراكز القرار.
هل من بديل؟
في ظل هذه المعطيات، يطرح سؤال جوهري: هل يوجد بديل حقيقي لإنفانتينو في المرحلة الحالية؟
بالنسبة لعدد من المتتبعين، تبدو الإجابة واضحة. فالرجل لا يمتلك فقط شبكة علاقات واسعة داخل الفيفا، بل راكم تجربة وخبرة تجعلانه الأقدر على مواجهة التحديات المقبلة، سواء تعلق الأمر بتوسيع المنافسات، أو ضمان التوازن المالي، أو مواكبة التحولات الرقمية.
بل إن البعض يذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن إنفانتينو لا يستحق فقط الفوز بولاية جديدة، بل يستحق دعمًا واسعًا يعكس الاعتراف بما تحقق في عهده، ويضمن استمرارية الإصلاحات التي أطلقها.
الرباط… منصة الحسم
اختيار الرباط لاحتضان المؤتمر الانتخابي للفيفا سنة 2027 ليس تفصيلًا عابرًا، بل يحمل دلالات رمزية قوية. فهو يعكس ثقة المؤسسة الدولية في المغرب، ويكرس مكانته كجسر بين إفريقيا والعالم.
كما أن تنظيم هذا الحدث في المملكة يمنح بعدًا إضافيًا لدعم إنفانتينو، ويجعل من الانتخابات المقبلة محطة حاسمة، ليس فقط في تحديد هوية رئيس الفيفا، بل في رسم ملامح المرحلة القادمة من تاريخ كرة القدم.
بين دعم مغربي صريح، وحصيلة إصلاحية قوية، وحضور متزايد لإفريقيا في المشهد الكروي، تبدو حظوظ جياني إنفانتينو في ولاية جديدة على رأس الاتحاد الدولي لكرة القدم أكثر من قوية.
وفي وقت تبحث فيه كرة القدم العالمية عن الاستقرار والاستمرارية، يبرز اسم إنفانتينو كخيار منطقي، بل وضروري، لمواصلة مسار التحديث والتطوير. أما المغرب، فبموقفه هذا، لا يعلن فقط دعمه لمرشح، بل يؤكد مرة أخرى أنه لاعب أساسي في مستقبل اللعبة على الصعيدين القاري والدولي.






