من مطارح النفايات إلى اختناق الأوراش الطاقية… بنعلي تكشف أعطاب النموذج البيئي وتحديات الموارد البشرية

كشفت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، عن ملامح اختلال عميق يطبع تدبير النفايات المنزلية بالمغرب، معتبرة أن النموذج الاقتصادي والاجتماعي المعتمد حالياً لم يعد قادراً على مجاراة التحديات البيئية المتفاقمة، ولا على حماية الموارد الطبيعية، في مقدمتها المياه.
وخلال تفاعلها مع سؤالين آنيين بمجلس المستشارين، الثلاثاء، شددت بنعلي على أن استمرار جمع النفايات دون طمرٍ مراقب أو تثمين فعلي أصبح خياراً مكلفاً بيئياً، في ظل المخاطر المتزايدة التي تشكلها “العُصارة” المتسربة من المطارح، وما يرافقها من تلويث للفرشات المائية، فضلاً عن ضياع كميات هائلة من المواد القابلة لإعادة التدوير.
وأقرت المسؤولة الحكومية بأن إشكاليات المطارح لا تقتصر فقط على العصارة، بل تمتد إلى الغازات المنبعثة منها، وما تشكله من تهديد للصحة العامة والبيئة، مبرزة أن الوزارة تواكب الجماعات الترابية في إغلاق المطارح العشوائية، وتشجعها على الانتقال نحو أنظمة أكثر استدامة، من بينها الجمع الانتقائي للنفايات.
وفي هذا السياق، حمّلت بنعلي الجماعات الترابية مسؤولية مباشرة في إحداث المطارح ومعالجة اختلالاتها، انسجاماً مع القوانين التنظيمية المؤطرة لاختصاصاتها، مذكّرة بأن حصيلة البرنامج الوطني للنفايات المنزلية بين 2008 و2020 أظهرت تحقيق تقدم نسبي، من خلال بلوغ نسبة جمع مهني للنفايات في حدود 66 في المائة، وإنجاز أزيد من 29 مركزاً مراقباً للطرح والتثمين.
غير أن الوزيرة أوضحت أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تُختزل في نص قانوني واحد، مؤكدة أن مشروع تعديل القانون 28.00 ليس العصا السحرية، في ظل الحاجة إلى مقاربات متعددة، من بينها تعزيز الوعي البيئي، وعدم استبعاد خيار تغريم السلوكات الفردية غير المسؤولة تجاه البيئة.
وفي مداخلاتهم، شدد مستشارو فريقي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال على ضرورة القطع مع الهدر الممنهج لمخلفات قابلة للتدوير، والدعوة إلى حماية الرصيد العقاري المخصص لتدبير النفايات، ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى توازن بين التنمية وحماية البيئة.
وفي محور آخر لا يقل حساسية، اعترفت ليلى بنعلي بوجود خصاص بنيوي في الموارد البشرية داخل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، خاصة في قطاع الكهرباء، كاشفة أن عدد مستخدمي المكتب لا يتجاوز 3657 مستخدماً، تشكل النساء منهم 13 في المائة فقط، فيما تمثل فئة الأطر 33 في المائة، مقابل 55 في المائة من الأعوان.
وأوضحت الوزيرة، في جوابها عن سؤال شفوي لفريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، أن ظروف العمل بالمكتب مؤطرة بنظام أساسي يضمن حقوق المستخدمين، مشيرة إلى أن أجورهم عرفت زيادات في حدود 1400 درهم، نتيجة الحوار الاجتماعي مع الحكومة.
غير أن هذه المعطيات لم تُخفِ، بحسب تدخل المستشارة البرلمانية سليمة زيداني، حدة الأزمة التي يعيشها المكتب، في ظل ضعف التوظيف وتزايد الإحالات على التقاعد، ما أدى إلى ضغط مهني مرتفع وإجهاد وظيفي، يهددان قدرة المؤسسة على مواكبة الأوراش الكبرى المرتبطة بالانتقال الطاقي وتعزيز الأمن المائي.
وفي ما يخص القطاع المنجمي، كشفت بنعلي عن الانتهاء من إعداد مشروع القانون رقم 72.24، الذي يحمل مستجدات وُصفت بالمهمة، من بينها إحداث لجنة وطنية للمعادن الاستراتيجية، وتفعيل مبدأ المحتوى المحلي، إلى جانب تعزيز شروط السلامة لفائدة اليد العاملة الوطنية.
ويعكس هذا العرض المتشعب، بحسب متابعين، حجم التحديات التي تواجه السياسة البيئية والطاقية بالمغرب، بين أعطاب تدبير النفايات، وضغط الموارد البشرية، ورهانات التحول نحو نموذج تنموي أكثر استدامة، لا يحتمل مزيداً من التأجيل أو الحلول الترقيعية.






