“مجلس جهة فاس مكناس: مشاريع ضخمة، إنجازات محدودة ووكالة تنفيذ المشاريع في قفص الاتهام”

تحولت جهة فاس مكناس، التي كانت تُراهن عليها الدولة كنموذج لتجسيد روح الجهوية الموسعة، إلى مختبر للفشل الإداري والهدر المتزايد للمال العام. أربع سنوات من الاجتماعات والاتفاقيات والمشاريع الورقية لم تُنتج سوى واقع هش: عطش في الصيف، عزلة في الشتاء، طرق متآكلة، قرى بلا ماء ولا أمل، ومدن كبرى تبحث عن هوية تنموية ضاعت وسط الحسابات الحزبية الضيقة.
مجلس الجهة.. دورات شكلية ونقط خاوية
مع بداية الأسبوع الجاري، عقد مجلس جهة فاس مكناس دورته العادية، في مشهد يعكس انفصال المؤسسة المنتخبة عن نبض الساكنة. جدول أعمال الدورة جاء مثقلاً بالنقط الجوفاء التي لا تلامس احتياجات المواطن، ولا تستجيب للأولويات الحقيقية للجهة. اتفاقيات سابقة مع شركات أجنبية ضخمة ووعود بتشغيل الشباب دون أي أثر ملموس، فيما الملايين تُصرف في مشاريع بلا تقييم أو مردودية.
تبدو هذه الدورات مجرد طقوس بيروقراطية، تُستهلك فيها لغة الأرقام دون أن يُطرح سؤال المحاسبة أو الفعالية. والمحصلة أن الجهة غرقت في مشاريع مؤجلة، ومخططات تعيش على الورق فقط.

الماء والبنيات التحتية.. العطش والإهمال عنوان المرحلة
من تاونات وصفرو إلى بولمان وإفران وتازة و الحاجب ومولاي يعقوب ،و هي أقاليم “الهشاشة الإجتماعية”، يتكرر المشهد نفسه: نساء يحملن القنينات في طوابير طويلة لملء الماء، وقرى بأكملها تعيش عطشًا مهينًا في صيف تجاوزت حرارته الخمسين درجة. برامج الماء المعلنة لم تنزل بعد، أو نُفذت بشكل متعثر، مما جعل الأزمة المائية أحد أبرز مؤشرات الفشل الجهوي.
أما البنية التحتية، فهي الوجه الآخر للأزمة. طرق غير معبدة، وأخرى توقفت فيها الأشغال منذ سنوات، وعشرات المشاريع التي أُعلن عنها في دورات المجلس لم ترَ النور بعد. التلاميذ في القرى يعبرون الأوحال والوديان للوصول إلى مدارسهم، في مشهد يعكس مأساة “مغرب الهامش” الذي مازال ينتظر الإنصاف.
وكالة تنفيذ المشاريع.. ذراع مشلول
الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، التي أُنشئت لتكون المحرك الفعلي للتنمية، تحولت إلى مؤسسة بيروقراطية متضخمة، تفتقر إلى النجاعة والابتكار. برامجها حبيسة مساطر معقدة، وقراراتها بعيدة عن الواقع الميداني، وكأنها تشتغل في زمن إداري آخر،و كيف تعول على وكالة تنجز وثائقها و برامجه باللغة الفرنسية و هي تهين اللغة العربية و دون أن تعي يوما ما أن بعض المنتخبين بمجلس الجهة لا يتقنون اللغات الأجنبية و اذن من تخاطب هذه الوكالة في بلاغتها المفرنسة والمهينة للغة التي أقرها دستور المملكة.
الأدهى أن الوكالة تواصل اعتماد تصورات قديمة وضعت عام 2021، في وقت تغيرت فيه معطيات الجهة جذريًا بين 2022 و2025. النتيجة: بطء في الإنجاز، تبذير في العقود، وضعف في الأثر، وغياب تام للمساءلة.
حدث قاري كبير.. وجه غائب
الجهة تستعد لاحتضان مباريات مهمة ضمن تظاهرة كأس إفريقيا للأمم 2025، وملعب فاس سيكون ضمن الملاعب المركزية، لكن المفارقة أن جدول أعمال مجلس الجهة خلا من أي إشارة إلى هذا الحدث القاري.
لا حديث عن مشاريع تأهيل أو تعبئة استثمارية أو دعم بنيوي لاحتضان هذا الموعد الرياضي التاريخي. تجاهل المجلس للحدث اعتُبر في الأوساط المحلية إهانة لمدينة فاس ولجهة بأكملها، خصوصًا وأن المملكة كلها تستنفر إمكانياتها لإنجاح هذا العرس القاري.
الشباب في صمت… والغضب يتخمّر
في ظل هذا الركود، يعيش شباب الجهة على وقع الإقصاء والبطالة. مشاريع التشغيل التي ضُخت فيها الملايير لم تُثمر سوى أرقام على الورق. شركات استفادت من الدعم الجهوي ولم تُحدث مناصب شغل حقيقية، مما يعمّق الهوة بين الخطاب والواقع.
جيل “زيد” الذي خرج إلى الشوارع مؤخرًا، يعبر عن هذا الغضب المتراكم. شعاراته ليست ضد الحكومة فقط، بل ضد منظومة تنموية فاشلة جعلت الجهوية الموسعة مجرد عنوان جميل لواقع متعفن. فكيف يمكن لجهة غنية بالثروات، من فاس إلى مكناس وتازة، أن تُنتج هذا الكم من الإحباط الاجتماعي؟
مشاريع واعدة… وأثر باهت
من الإنصاف الإشارة إلى بعض المشاريع الكبرى التي تُنفذ حاليًا، مثل الطريق السيار فاس–تاونات بتكلفة تفوق 36 مليون دولار، والمنطقة الصناعية “أغروبوليس” بمكناس، ومشروع “قطب علوم الصحة” بشراكة مع جامعة يوروميد، إلى جانب توسيع شبكة المراقبة بالفيديو بفاس.
لكن رغم أهمية هذه المشاريع، فإنها تظل محدودة التأثير على حياة المواطن اليومية، لأنها لم تُواكب بسياسات اجتماعية مندمجة تُعيد التوازن بين المركز والهامش.
الجهوية الموسعة بين الرؤية الملكية والانحراف السياسي
الجهوية الموسعة كما أرادها جلالة الملك محمد السادس كانت مشروعًا وطنيًا كبيرًا لبناء عدالة مجالية حقيقية، تنطلق من المواطن وتعود إليه. غير أن التطبيق في جهة فاس مكناس انحرف عن هذا المسار، بفعل منطق الحزبية الضيقة وصراع الأجنحة داخل المجلس.
بدل أن تكون الجهة قاطرة للتنمية، تحولت إلى ساحة لتوزيع الغنائم الانتخابية. مدن استفادت بسخاء، وأخرى تعيش على فتات الميزانيات. وهكذا يسير المغرب، كما قال الملك في خطاب العرش الأخير، بسرعتين: سرعة المركز وسرعة الهامش.
جهة فقدت البوصلة
جهة فاس مكناس اليوم عنوان لتناقض صارخ بين الطموح الملكي في بناء مغرب العدالة المجالية، وبين الواقع الجهوي الذي غرق في الحسابات السياسوية والبيروقراطية العقيمة.
أربع سنوات من الاجتماعات والاتفاقيات دون إنجاز ملموس تجعل السؤال مطروحًا بحدة: أين تذهب أموال التنمية؟
الجهة أهدرت الزمن والمال، وضيعت على نفسها فرصة المساهمة الفعلية في النهضة الوطنية التي يقودها جلالة الملك. وبينما تتجه المملكة نحو مستقبل رياضي واقتصادي واعد، ما زال مجلس فاس مكناس يناقش نقطًا خاوية على عروشها.
إنها لحظة لمراجعة الحسابات… لأن التنمية ليست بلاغات، بل أثرٌ يُقاس على الأرض، والجهة اليوم مطالبة بالاختيار: إما الإصلاح الجذري… أو الغرق في الفشل ذاته الذي صنع غضب الشارع.






