من خطاب العرش إلى صرخات الشارع.. مغرب يغلي على صفيح الغضب نفسه.

مقال إخباري تحليلي: عبدالله مشواحي الريفي
لم يعد أحد في المغرب، لا من المنتفعين ولا من المغلوبين، قادراً على إنكار الحقيقة: الأمور لا تسير على ما يرام.
الهوة اتسعت بين الشعب ومؤسساته، والثقة تبخرت في كل ما يفترض أنه يمثّل صوت الناس أو يخدم مصالحهم. الأحزاب غارقة في مصالحها الضيقة، والمنتخبون تائهون بين الثراء والسلطة، والحكومة تلوّح بالإنصات بينما تصمّ آذانها عن وجع الشارع.
لكن المفارقة الصادمة، أن هذا التشخيص القاسي للواقع، لم يأتِ من معارض ولا من محتجّ، بل من رأس الدولة نفسه. فالملك محمد السادس، قبل شهور و سنوات، قالها بصراحة لم يجرؤ أحد على مجاراتها:
“ما الجدوى من المؤسسات، ومن الحكومة والوزراء، إذا كان المواطن لا يشعر بوجودهم؟ إذا أصبح ملك المغرب غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، فماذا بقي للشعب؟”
كانت تلك الكلمات بمثابة صرخة تحذير مبكر، لكنها ضاعت في صخب الريع والتبرير، حتى وجد المغاربة أنفسهم اليوم أمام جيل جديد، “جيل Z”، يرفع في الشارع الشعارات نفسها التي رفعها الملك في خطبه.
شباب جيل Z لم يخترع معجماً جديداً للاحتجاج، بل استعاد مفردات الغضب الملكي من عام 2017، حين وصف الملك الأداء الإداري والسياسي بأنه “لا يشرف المغرب”.
اليوم، عاد ذلك الغضب إلى الشارع، بنفس النبرة، ولكن بأدوات مختلفة: منصات رقمية، فيديوهات قصيرة، واحتجاجات منظمة بلا قيادة.
فهم لا يطلبون المستحيل، كما قال الملك في أحد خطاباته: “المغاربة لا يطلبون المستحيل، بل يطالبون بالكرامة والعدالة والعيش الكريم.”
غير أن المشكلة أن الفساد الذي كان الملك يحذر منه، تمدد أكثر، والهوة بين الدولة والمجتمع اتسعت، حتى صار بعض الوزراء يتباهون بثرواتهم في وجه الفقراء، وكأنهم في سباق استفزازي مع الشارع.
منذ سنوات، ظل الملك يذكّر بأن “المغرب لا يمكن أن يسير بسرعتين”، وأن التنمية لا معنى لها إذا لم يشعر بها المواطن في تعليمه وصحته وكرامته.
لكن الخطاب لم يجد طريقه إلى التنفيذ.
تحولت الوزارات إلى دوائر مغلقة للمصالح، والأحزاب إلى دكاكين انتخابية، والحكومة إلى مكتب لتدبير الصفقات و التوازنات، لا لتدبير هموم الناس.
في هذا الفراغ، خرج جيل جديد يبحث عن مخاطب حقيقي، فوجد في الشارع منبراً، وفي كلمات الملك مرجعية أخلاقية وسياسية.
لقد رفع شباب جيل Z خطابات الملك في احتجاجاتهم، كأنهم يقولون: “نحن لا نواجه الدولة، نحن نذكّرها بما قاله رأسها.”
عندما اجتمعت الأغلبية الحكومية لبحث الاحتجاجات، أصدرت بلاغاً بارداً يتحدث عن “الإنصات والتفاعل الإيجابي”.
لكن كيف يمكن لحكومة متهمة بتغذية الفساد السياسي والاقتصادي أن تكون جزءاً من الحل وهي أصل المشكلة؟
كيف يمكن لمن يستفيد من غياب العدالة الاجتماعية أن يسنّ قانوناً لتحقيقها؟
لقد تحوّل بلاغ الأغلبية إلى مرآة لفشلها، إلى الحد الذي بدا معه خطابها كأنه صادر من كوكب آخر، بعيد عن غضب الناس وحرارة الشارع.
ما يحدث اليوم ليس مجرد تمرّد شبابي عابر، بل لحظة اختبار للدولة برمّتها.
فإما أن تتجدد النخب وتُفتح الأبواب أمام الوجوه النزيهة، أو أن ينهار ما تبقى من جسور الثقة.
المطلوب ليس القمع ولا التبرير، بل مواجهة الحقيقة كما هي: هناك أزمة حكم وأزمة إدارة وأزمة عدالة.
لقد قالها الملك بوضوح: “كفى، واتقوا الله في وطنكم.. فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون.”
فهل يُسمع النداء هذه المرة؟
الواقع أن المغاربة اليوم باتوا يدركون أن الملك أقرب إلى همومهم من كثير من مؤسساتهم.
وإذا كان المستقبل سيحمل تحوّلاً حقيقياً، فلن يكون إلا عبر تحالف صريح بين الملكية والشباب الصادق، من أجل إسقاط منظومة الريع والمحاسبة الانتقائية.
البلاد تحتاج إلى “تطهير سياسي”، لا إلى تبريرات بيروقراطية. إلى دولة تحاسب وتفتح الطريق للكفاءات، لا إلى واجهات حزبية متهالكة.
فالمغرب الجديد لن يُبنى على صفقات ولا على لجان، بل على الجرأة في اتخاذ القرار، وعلى محاسبة من أفسد الثقة في السياسة وفي الدولة معاً.
قد يكون جيل Z مخطئاً في بعض أشكاله الاحتجاجية، وربما انزلقت فئات منه إلى العنف، لكن جوهر غضبه مشروع.
فالذي يُقصى من التعليم والصحة والعمل لا يثور على القانون، بل يثور من أجل تطبيقه.
الخطر الحقيقي ليس في احتجاج الشباب، بل في صمت الدولة أمام صرخاتهم.
ولذلك، فإن المغرب يقف اليوم عند مفترق طرق:
إما أن يُصغي جيداً إلى لغتهم الجديدة ويترجمها إلى إصلاحات، أو يستمر في دفن رأسه في رمال الشعارات.
حين يتحدث الملك بلسان الغضب نفسه الذي يتحدث به الشباب، فذلك يعني أن البلاد دخلت مرحلة الحقيقة.
جيل Z لم يخرج ضد النظام، بل من أجل أن ينهض النظام بمسؤولياته.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ستستجيب الحكومة لصوت الشارع وصوت الملك معاً، أم أن صمتها و توصالها المـتأخر سيكتب الفصل الأخير من شرعيتها السياسية؟






