ملف الأحد | إعلام على مفترق الطرق… بين مسؤولية الوطن وانزلاقات التفاهة وخدمة “الأجندات” وتصفية الحسابات

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
في لحظة دقيقة من تاريخ التحولات الرقمية والسياسية، لم يعد السؤال حول الإعلام المغربي ترفاً فكرياً أو نقاشاً نخبوياً، بل تحول إلى قضية رأي عام تمسّ جوهر الثقة بين المواطن والمعلومة. فبين إعلام يستفيد من الدعم العمومي والإشهار، وإعلام آخر ينزلق نحو الإثارة والتفاهة، يبرز واقع مركب يعكس أزمة عميقة في المعايير والوظائف، ويطرح سؤالاً حقيقياً: هل ما زال الإعلام يؤدي دوره كسلطة رابعة، أم أنه انحرف نحو أدوار أخرى تخدم أجندات وتغذي الفوضى؟
دعم عمومي بلا أثر واضح… أين تذهب “الكعكة”؟
على امتداد السنوات الأخيرة، استفاد قطاع الإعلام من برامج دعم مالي مهمة، خاصة خلال الأزمات، بهدف الحفاظ على استمرارية المقاولات الصحفية وضمان التعددية. غير أن هذا الدعم، في كثير من الحالات، لم ينعكس على جودة المحتوى أو على تطوير المؤسسات الإعلامية،و أن هناك العديد من يطلق عليهم إعلاميين “صوريون” فقط لا تربطهم أي علاقة بالإعلام و مع ذلك يستفيدون من دعم شهري.
الواقع يكشف أن جزءاً من هذا التمويل لم يُستثمر في الصحافة الجادة أو التحقيقات الاستقصائية، بل استُهلك في إنتاج محتوى سريع، سطحي، يلهث وراء نسب المشاهدة. وهنا تبرز مفارقة صارخة: إعلام يستفيد من المال العام، لكنه لا يقدم مقابله خدمة عمومية حقيقية، ولا يساهم في رفع وعي المجتمع أو الدفاع عن قضاياه الكبرى.
من التنوير إلى “الترند”… سقوط في فخ التفاهة
تحول جزء من الإعلام إلى مجرد صانع للـ“Buzz”، حيث أصبحت الأولوية للعناوين المثيرة، والمواضيع الهامشية، والقصص التي تضمن الانتشار، و المباشر الذي يركز على الإثارة، حتى وإن كانت فارغة من المضمون. هذا الانزلاق لم يعد استثناء، بل أصبح قاعدة لدى العديد من المنابر التي فضّلت الربح السريع على حساب الرسالة الإعلامية.
النتيجة كانت واضحة: تراجع النقاش العمومي الجاد، مقابل صعود محتوى يكرّس السطحية، ويُغذي ثقافة الاستهلاك السريع للمعلومة دون تمحيص أو تحليل.
اختلاط المعايير… حين يصبح الخبر مجرد رأي
أخطر ما يميز المشهد الإعلامي الحالي هو تآكل الحدود بين الخبر والتعليق. لم يعد المتلقي قادراً على التمييز بين ما هو معلومة موثوقة، وما هو رأي شخصي أو حتى إشاعة مغلفة بلغة صحفية.
هذا الخلط فتح الباب أمام نقل محتويات من منصات وصفحات معادية، أو مشبوهة، دون تحقق أو تدقيق. بل إن بعض المنابر أصبحت تعيد نشر “تسريبات” أو “أخبار” مصدرها صفحات متهمة بخدمة أجندات خارجية،أو من يدفع أكثر داخليا، وهو ما يشكل خطراً حقيقياً على الأمن الإعلامي والوعي الجماعي.
إعلام الأجندات… من المعلومة إلى التوظيف
في هذا السياق، برز ما يمكن تسميته بـ”إعلام الأجندات”، حيث لم يعد الهدف نقل الحقيقة، بل توجيهها. هذا النوع من الإعلام لا يشتغل بمنطق المصلحة العامة، بل وفق حسابات ضيقة، قد تكون سياسية أو اقتصادية أو حتى شخصية.
ويظهر ذلك جلياً في طريقة تناول بعض القضايا، حيث يتم تضخيم ملفات معينة، وتجاهل أخرى، أو توجيه الاتهامات دون أدلة، في إطار تصفية حسابات أو خدمة مصالح خفية. وهنا يفقد الإعلام جوهره، ويتحول إلى أداة في يد من يملك القدرة على التأثير.
“صحافة البونجة”… حين تسقط المهنة في فوضى الميكروفون
من أبرز تجليات الأزمة، انتشار ما يُعرف بـ”صحافة البونجة”، حيث أصبح كل من يمتلك هاتفاً ذكياً وميكروفوناً يحمل شعاراً، يعتبر نفسه صحفياً. هذه الظاهرة، رغم أنها تعكس انفتاح الفضاء الإعلامي، إلا أنها ساهمت بشكل كبير في تمييع المهنة.
غياب التكوين، وانعدام أخلاقيات المهنة، والسعي وراء “السكوب” بأي ثمن، جعل هذا النوع من المحتوى مليئاً بالأخطاء، والإشاعات،و الميوعة، وحتى الاتهامات الخطيرة التي تُنشر دون أي تحقق.
بعد الربيع العربي… انفجار إعلامي بلا ضوابط
منذ ما بعد الربيع العربي، عرف المغرب انفجاراً في عدد المنصات الإعلامية، وهو ما كان يمكن أن يكون فرصة لتعزيز التعددية. لكن في غياب تأطير حقيقي، تحول هذا الانفجار إلى فوضى.
ظهرت منصات تبحث عن الربح السريع، وأخرى توظف الخطاب الشعبوي، وثالثة تنخرط في صراعات سياسية، في حين تراجع الإعلام المهني الذي يشتغل بمنطق المسؤولية والتحليل العميق.
المؤثرون… سلطة بلا محاسبة
لم يعد الإعلام محصوراً في المؤسسات التقليدية، بل دخل على الخط “المؤثرون”، الذين أصبحوا فاعلين أساسيين في تشكيل الرأي العام. غير أن هذه القوة الجديدة، في غياب ضوابط واضحة، تحولت في بعض الحالات إلى مصدر للفوضى.
اتهامات خطيرة تُوجّه لمسؤولين، معلومات غير دقيقة تُنشر، ومحتويات تُبنى على مصادر مشبوهة، كل ذلك دون أي مساءلة. الأخطر أن بعض هذه الخطابات تستند إلى صفحات متهمة بخدمة أجندات خارجية لها إمتدادات التخابر و الخيانة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول من يوجّه هذا المحتوى.
الإعلام والاختراق… حين تتحول المنصات إلى صدى للخارج
واحدة من أخطر الظواهر التي بدأت تطفو على السطح، هي نقل محتوى صادر عن صفحات أو منصات تُتهم بالتخابر مع الخارج أو بخدمة أجهزة معادية، دون تدقيق أو تحقق. يتم التعامل مع هذه المواد كأخبار، بينما هي في الأصل أدوات للتأثير والتوجيه موجهة من دول معادية و التي توظف كل إمكانيتها من أجل نشر الفوضى و زرع الفتن داخل المملكة و تقديم صورة مغلوطة من أجل إثارة الرأي العام و دفعه ليزداد سخطا على الأوضاع.
هذا النوع من السلوك الإعلامي لا يسيء فقط للمهنة، بل يضرب في العمق ثقة المواطن، ويجعل الإعلام عرضة للاختراق، في زمن أصبحت فيه الحروب تُخاض بالمعلومة بقدر ما تُخاض بالسلاح.
أين هي الصحافة المهنية؟
وسط هذا المشهد، تبدو الصحافة المهنية في تراجع. التحقيقات الجادة، التحليلات العميقة، والكتابات التي تدافع عن قضايا الوطن، أصبحت أقل حضوراً. ليس لأنها اختفت، بل لأنها محاصرة وسط ضجيج المحتوى السريع.
الأقلام الحرة، التي كانت تشكل ضمير المهنة، تواجه اليوم تحديات متعددة، من ضعف الموارد، إلى المنافسة غير المتكافئة مع محتوى سهل الإنتاج وسريع الانتشار.
الإطار القانوني… موجود لكنه غير كافٍ
يتوفر المغرب على ترسانة قانونية لتنظيم قطاع الصحافة، لكن الإشكال يكمن في التطبيق، وفي مواكبة هذه القوانين للتحولات الرقمية. فالقانون، رغم أهميته، لا يمكنه وحده ضبط فضاء مفتوح كمنصات رقمية أو وسائل التواصل الاجتماعي.
الحاجة اليوم ملحة لتحديث الإطار القانوني، وتعزيز آليات التنظيم الذاتي، وربط الدعم العمومي بمعايير واضحة تتعلق بالجودة والمهنية.
المسؤولية المشتركة… من الدولة إلى المواطن
إصلاح الإعلام ليس مسؤولية جهة واحدة. الدولة مطالبة بإعادة النظر في سياسات الدعم، وضمان الشفافية في توزيعه. المؤسسات الإعلامية مطالبة بالاستثمار في التكوين، ورفع مستوى المحتوى. الصحفيون مطالبون بالالتزام بأخلاقيات المهنة.
أما المواطن، فله دور أساسي، من خلال التمييز بين المحتوى الجاد والمحتوى السطحي، وعدم الانسياق وراء كل ما يُنشر.
معركة الوعي… أخطر من معركة الخبر
في النهاية، ما يعيشه الإعلام المغربي هو جزء من معركة أكبر: معركة الوعي. فالمعلومة لم تعد مجرد خبر، بل أصبحت أداة للتأثير، والتوجيه، وأحياناً للتضليل.
وفي هذا السياق، يصبح الإعلام مسؤولاً ليس فقط عن نقل الواقع، بل عن حمايته من التشويه، وعن الدفاع عن القضايا الوطنية، خاصة في ظل التحديات الخارجية.
إما التصحيح… أو السقوط الحر
الإعلام المغربي اليوم أمام لحظة حاسمة. إما أن يستعيد دوره كفاعل أساسي في بناء الوعي والدفاع عن الوطن، أو يستمر في الانحدار نحو مزيد من التفاهة والتوظيف.
الرهان لم يعد فقط مهنياً، بل أصبح وطنياً. لأن إعلاماً ضعيفاً يعني مجتمعاً هشاً، ومعلومة مشوهة تعني وعياً مضللاً.تعني غياب الترافع على قضايا الوطن و ضعف التأثير في المتلقي.
وفي زمن تتداخل فيه الحقيقة مع الزيف، يبقى الأمل معقوداً على صحافة مسؤولة، تعود إلى جذورها: الحقيقة، المهنية، وخدمة الوطن… لا خدمة الأجندات.






