ملف الأحد: “كان المغرب 2025”.. حين تذوب الجغرافيا وتنتصر “خاوة خاوة” على أوهام السياسة

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
بينما كانت أضواء ملعب “فاس الكبير” تخفت بعد ليلة نيجيرية تونسية صاخبة، و المعلق التونسي”الشوالي” يردد شكرا فاس شكرا المغرب وهو يفتخر ويقدم “الكان” للعرب كأنه نسخة مصغرة لكأس العالم و يشيد بالملاعب و بالعشب الذي لا يتأثر بالتسقاطات الغزيرة،و كانت هناك أنوار أخرى لا تنطفئ في شوارع المملكة؛ أنوار الإخاء التي أشعلتها جماهير أتت من “الجزائر العميقة” ومن ديار المهجر، لتكتب بدموع الفرح وعناق الأشقاء فصلاً جديداً في تاريخ العلاقات بين الشعبين المغربي والجزائري. في هذا الملف، نغوص في كواليس “الكان” التي تحولت من مجرد بطولة كروية إلى “ثورة بيضاء” ضد التفرقة، ونرصد كيف انتصرت “المستديرة” على “المكيدة”.
فاس والرباط ومراكش.. حين أصبحت المدن المغربية “عواصم للجزائريين”
لم يعد المشجع الجزائري في المغرب يحتاج إلى “خريطة” ليدل طريقه، فالترحيب المغربي كان هو البوصلة. في مطاعم باب الأحد بالرباط،و مقاهي “باب بوجلود” بفاس وساحة “جامع الفنا” بمراكش، اختلطت الأعلام الخضراء بالحمراء في مشهد مهيب.
تؤكد المعطيات الميدانية أن الآلاف من الجزائريين دخلوا المغرب عبر مطارات تونس، باريس، ومدريد، متحدين عناء السفر وتكاليفه، فقط ليكونوا بجانب إخوانهم. يقول “أمين”، شاب جزائري قادم من ليون الفرنسية: “جئت لأشاهد الكرة، فوجدت بلداً يسابق الزمن. صُدمت بالبنية التحتية، لكن صدمتي الكبرى كانت في حفاوة الاستقبال. في المقاهي، يرفض المغاربة أن يدفع الجزائري ثمن قهوته.. هذه هي الخاوة الحقيقية التي يحاولون قتلها في الإعلام”.
سيكولوجية الجماهير: كسر “غسيل الدماغ” الإلكتروني
لسنوات، عملت “ماكينة” البروباغندا في قصر المرادية عبر “ذبابها الإلكتروني” على تصوير المغرب كبلد “عدو” يعيش أزمات طاحنة. لكن الصدمة كانت بانتظار كل من وضع قدمه في المملكة.
الجمهور الجزائري وجد نفسه في “ورش مفتوح” من التنمية؛ طرقات سيارة عالمية، قطار فائق السرعة (البراق)، ومرافق سياحية تضاهي أفخم عواصم أوروبا. هذا التباين بين “الصورة المشوهة” في الإعلام المسخر وبين “الواقع المشرق” أحدث زلزالاً في وعي المشجع الجزائري. لقد اكتشفوا أن “شعب الفيسبوك” يعيش في وهم اصطنعه النظام للتغطية على الإخفاقات الداخلية، بينما المغرب يشتغل بصمت من أجل تنمية القارة وتوحيد شعوبها.
“اليد الممدودة” و”القلوب المفتوحة”.. الرد الشعبي على الخطاب الملكي
لطالما كان جلالة الملك محمد السادس، في خطاباته الرسمية (خاصة خطاب العرش وذكرى المسيرة الخضراء)، يشدد على أن الحدود التي تفصل بين المغرب والجزائر “لن تكون أبداً حدوداً تغلق أجواء التواصل والتفاهم”.
في هذا “الكان”، تجسدت هذه الرؤية الملكية في سلوك المواطن المغربي البسيط. لقد فتح المغاربة بيوتهم للجزائريين، وتحولت منصات المشجعين (Fan Zones) إلى ساحات للعناق والبكاء المشترك على حال الحدود المغلقة. الصرخة التي دوت في ملعب مولاي الحسن: “افتحوا الحدود.. نحن شعب واحد”، لم تكن مجرد شعار، بل كانت استفتاءً شعبياً عفوياً يضرب في عمق الأجندات السياسية الضيقة التي يتبناها جنرالات الجزائر.
فضيحة “الإعلام المسخر”.. حين ينطق الواقع ويخرس البهتان
شهدت كواليس البطولة أحداثاً درامية لبعض الموفدين الإعلاميين من قنوات رسمية وجزائرية خاصة. دخلوا الرباط محملين بـ “أجندة” للبحث عن النقائص وتصوير “البؤس المفتعل”، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام حقيقة لا يمكن حجبها بغربال الأكاذيب.
مصادرنا تؤكد أن عدداً من هؤلاء المراسلين قدموا اعتذارات شخصية لمضيفيهم المغاربة، بل إن بعضهم اعتزل العمل الإعلامي أو غادر بصمت بعدما أحسوا بـ “عقدة الذنب”. أحدهم قال في جلسة خاصة: “نحن مأمورون بنقل صورة سلبية، لكن كيف نكذب والكل يرى الجمال والتنظيم المونديالي؟ إنها لقمة عيش مرة تلك التي تُبنى على تزوير الواقع”. لقد سقطت ورقة التوت عن إعلام “قصر المرادية”، وبات العالم يضحك من “الأخبار الزائفة” التي تحاول النيل من تنظيم مغربي شهدت له “الكاف” و”الفيفا” بالامتياز.
المقارنة الظالمة: بنية تحتية مغربية تتفوق على نظيرتها الأوروبية
بالأرقام والوقائع، قدم المغرب في هذه البطولة ملاعب (فاس، الرباط، مراكش، أكادير، طنجة، الدار البيضاء) تتجاوز في جودتها وتكنولوجيتها العديد من الملاعب الأوروبية. نظام الولوج الإلكتروني، جودة العشب (الهجين)، استوديوهات التحليل، ومناطق الصحافة، كلها معايير جعلت الإعلام الدولي يصف البطولة بأنها “نسخة مصغرة من كأس العالم”.
هذا النجاح ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة استراتيجية وطنية قادها الملك محمد السادس لجعل الرياضة رافعة للتنمية. الجمهور الجزائري الذي عانى في فترات سابقة من سوء تنظيم في تظاهرات محلية، انبهر بالاحترافية المغربية، وطالب بعضهم علناً بأن يستفيد حكام بلادهم من “الخبرة المغربية” بدلاً من معاداتها.
السياسة تفرق والكرة تجمع.. دروس للمستقبل
إن الرسالة الأقوى التي وجهها “ملف الأحد” هي أن الشعوب دائماً ما تكون أذكى من حكامها (في حالة الجار الشرقي). بينما ينشغل الجنرالات بسباقات التسلح وافتعال الأزمات الدبلوماسية و تهريب خيرات الجزائر صوب عواصم أوروبا و أمريكا، ينشغل الشعبان بالبحث عن “قواسم مشتركة”.
التلاحم الذي حدث في “الكان” هو دليل قاطع على أن “الاتحاد المغاربي” قائم فعلياً في قلوب الناس، حتى وإن عطلته المصالح السياسية. المغرب، بعمقه الإفريقي وامتداده العربي، أثبت أنه “القاطرة” التي تجر القارة نحو الحداثة، وأنه “الأخ الأكبر” الذي يتجاوز عن الصغائر من أجل مصلحة الشعوب.
شهادات من قلب الحدث: “ضيافة فاقت التوقعات”
-
الحاج بوعلام (مشجع من وهران): “دخلت الى الرابط ، بكيت عندما رأيت كيف يعاملنا المغاربة. والله إنهم يحبوننا أكثر مما نتخيل. الإعلام عندنا يكذب، والمغرب جنة فوق الأرض”.
-
سارة (طالبة جزائرية في باريس): “نحن جيل لا يؤمن بالحدود. في الملعب كنا نشجع منتخبنا الجزائري و تأثرت عندما رأيت المغاربة يشجعون معنا و يطلقون العنان “لسير سير يا منخب الجزائر”، لكننا كنا نهتف للمغرب الذي شرفنا بهذا التنظيم. أشعر بالفخر لأن بلداً في شمال إفريقيا يملك هذه القوة”.
دعوة للرشد.. فالتاريخ لا يرحم
في ختام هذا الملف، يبقى السؤال المطروح على طاولة حكام الجزائر: إلى متى الاستمرار في معاكسة منطق التاريخ؟ المغرب اليوم في صحرائه، وفي ملاعبه، وفي قلب القارة الإفريقية، يرسخ مكانته كقوة إقليمية صاعدة.
“الكان” المغربي لم يكن مجرد أهداف وسياحة، بل كان “مرآة” كشفت الحقيقة؛ المغرب يزدهر، والشعوب تتوحد، والأكاذيب تتبخر. على الجار أن يستفيق وينخرط في قطار التنمية الذي يقوده جلالة الملك بتبصر وحكمة، لأن المستقبل لمن يبني، لا لمن يهدم ويحقد.
لقد انتصرت “المستديرة” في معركة القلوب، وبقي “ملعب الإخاء” مفتوحاً لكل جزائري وتونسي و عربي و إفريقي يريد اكتشاف الحقيقة بعيداً عن شاشات التضليل. المغرب والجزائر “خاوة خاوة”، ليس فقط بالقول، بل بالدم والتاريخ والمصير المشترك الذي تجسد بأبهى صوره في “كان المغرب 2025″،فالعبرة بالخواتم و ليس بإستقدام إمام الى الفندق ليؤم صلاة الجمعة بمنتخب “الخضر” .






