تاونات — التنمية في مواجهة المزايدات: المجتمع المدني يفضح حسابات انتخابية ضيقة و السلطات تقود معركة الأوراش الكبرى

مقال إخباري تحليلي: عبدالله مشواحي الريفي
أقدمت فعاليات المجتمع المدني الجادة بمدينة تيسة التابعة لإقليم تاونات، عبر بلاغ موقع من أكثر من 20 جمعية، على فضح دعوات مشبوهة للاحتجاج تقودها فلول من اليسار البائد، مدعومة بجماعة محظورة وحزب سياسي يتخذ من الدين مطية لخدمة أجنداته الانتخابية و منتخبون قادمون من جماعات أخرى للركوب على الإحتجاجات و تزعمها، وتزامنت هذه الدعوات مع اقتراب الانتخابات التشريعية، في محاولة واضحة لخلط الأوراق، وهو ما اعتبرته الجمعيات المدنية ضرباً للاستقرار المحلي وتشويشاً على مسار التنمية و فرصة لإعطاء البنادق مملوءة بالرصاص لخونة الخارج و الأعداء لضرب صورة المملكة،وهو ما جعل الجميع ينتفض ضد سلوكات خلط السياسية بهموم المنطقة و المطالب الحقة و المشروعة لإستفادتها من الأوراش الكبرى التي تقودها سلطات عمالة الإقليم بشكل مباشر.
السلطات الإقليمية بتاونات، التي توصلت بتقارير رسمية تفيد نية أحزاب أخرى النزول إلى الشارع في نفس اليوم، سارعت إلى منع الوقفة الاحتجاجية وفق القوانين و القرارات الجاري بها العمل و التي كانت مقررة السبت، تفادياً لانزلاق الأوضاع نحو فوضى تهدد الأمن العام. إقليم تاونات المعروف بهدوئه الاجتماعي لم يسمح بأن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية،و لا مسرحا لشعارات خاوية على عروشها خصوصاً أن هذه الوقفات لا تجد صدى حقيقياً وسط الساكنة، إذ لا يتجاوز حضورها بضع عشرات،لأن المنطقة معروفة بهدوئها و غالبيتها ساكنة قروية محافظة لا تعرف معنى المزيادات السياسية.
النجاحات التنموية التي يشهدها إقليم تاونات تعود بالأساس إلى التنسيق الميداني لعامل الإقليم، سيدي صالح داحا،و الذي إستطاع أن ينزع حصة الأسد من المشاريع التي تبرمجها جهة فاس مكناس و بعض الوزارات ،و فرض رؤية واضحة قائمة على المتابعة الدقيقة للأوراش و المطالبة بتسريعها، وإشراك المصالح الخارجية في مشاريع واقعية. هذا الحضور اليومي على الأرض مكّن من تجاوز الكثير من التعثرات، ووضع قطار التنمية على سكته الصحيحة، في إقليم شاسع يضم 5 جماعات حضرية و44 جماعة قروية ويحتل المرتبة الثانية وطنياً من حيث الامتداد بعد إقليم تارودانت.
إقليم تاونات استفاد خلال السنوات الأخيرة من برامج تنموية كبرى، من أبرزها الطريق السريع فاس – تاونات الذي شارف على الانتهاء، إضافة إلى تشييد جسور استراتيجية ستربط الإقليم بجارته وزان وتفتح منافذ اقتصادية جديدة. كما جرى تعميم الكهرباء على معظم الجماعات وربط عشرات القرى بالماء الصالح للشرب، مع مشاريع مهيكلة تهدف إلى تحسين ظروف عيش السكان وتقليص الفوارق المجالية.
ورغم كل الجهود المبذولة، يبقى قطاع الماء من أبرز التحديات، بفعل سبع سنوات متواصلة من الجفاف أثرت على الموارد المائية وأدت إلى خصاص واضح في التزود بالماء الصالح للشرب. مشاريع مبرمجة منذ سنوات من طرف المكتب الوطني للماء الصالح للشرب لم ترَ النور بعد و اعطاب متكررة في قنوات الربط و تأخر في إصلاها ، وهو ما دفع عامل الإقليم إلى توجيه تنبيهات متكررة في اجتماعات رسمية بضرورة الإسراع بتنفيذها. تأخر هذه المشاريع يشكل تهديداً حقيقياً لاستقرار التزود بالماء في جماعات عديدة، ما يجعل الملف أولوية قصوى يجب أن تتحمل تبعاته المؤسسات المخولة لها و الحكومة مسؤوليتها تجاهه.
في مجال الصحة، أطلق الإقليم ورشاً لإعادة تأهيل المراكز الصحية، والشروع في بناء مستشفى إقليمي جديد بمواصفات عصرية. كما تم إحداث مركز لتصفية الدم بمدينة تيسة في السنوات الماضية بدعم من مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ، وهو ما اعتُبر مكسباً كبيراً للمرضى الذين كانوا يعانون التنقل لمسافات طويلة من أجل العلاج. هذه الإنجازات تضع حداً لسنوات من الخصاص الصحي وتعزز ثقة الساكنة في المجهودات المبذولة.
قطاع التعليم عرف بدوره دفعة قوية، عبر تشييد وحدات مدرسية جديدة وتوسيع العرض الثانوي والإعدادي بالمجال القروي، إضافة إلى توفير أسطول متجدد من حافلات النقل المدرسي وزعت بشكل عادل على مختلف الجماعات لمحاربة الهدر المدرسي. كما تمت برمجة إحداث نواة للتكوين المهني بالإقليم، فيما يبقى مطلب النواة الجامعية على رأس الأولويات، رغم أن التغييرات الحكومية المتكررة عطلت تنفيذ الدراسات المرتبطة به.
من المشاريع المهيكلة أيضاً، انخراط فلاحي المنطقة في مشروع تقنين القنب الهندي الذي أطلق رسمياً قبل ثلاث سنوات. المزارعون باتوا أكثر استعداداً للاندماج في الدورة القانونية والاقتصادية لهذا المشروع الذي يُنتظر أن يدر أرباحاً مهمة على المنطقة ويساهم في تنويع مداخيل الأسر، خاصة مع تحسن البنيات الطرقية وربط الإقليم بالأسواق الوطنية والدولية.
أما مدينة تيسة التي حاول البعض الاصطياد في مياهها التي تعاني من “الملوحة” ، فهي تعيش على وقع أوراش ملموسة: التسريع بإنهاء أشغال ربط قنوات الماء اصلالح للشرب القادمة من سد إدريس الأول ،و اشغال جدية في المستشفى المحلي في طور النهاية،و فتح ملاعب قرب بالعشب الاصطناعي، دور للشباب، مراكز اجتماعية وتكوينية، مشاريع لإعادة تهيئة الأزقة والشوارع، وتحسين خدمات النظافة مع تعميم الإنارة العمومية،و الدفع بتأهيل الجماعة الحضرية التي باتت تشهد عدة تظاهرات ثقافية،و هذه المشاريع التي تحققت بفضل مجهودات متواصلة كانت محل إشادة من الساكنة، في وقت تهاوت فيه محاولات دعاة الاحتجاج بعد أن انكشف ضعف خطابهم وعدم قدرتهم على تعبئة الشارع.
فتاونات بين الأمس و اليوم فرق كبير وشاسع كشاسعة مساحته،فإنه بات يتنفس مشاريع تنموية و حكامة جيدة بفضل رؤية العامل سيدي صالح داحا والتعاون مع المجتمع المدني الجاد. وبينما اختار المشوشون ركوب موجة الاحتجاجات الفارغة، اختارت الغالبية الصامتة المضي خلف المشاريع الواقعية. في النهاية، لن يكون لتاونات مستقبل آمن إلا عبر تثمين المنجزات وتسريع إصلاح أعطاب القطاعات الحيوية وعلى رأسها الماء، بعيداً عن ألاعيب انتخابية لا مكان لها وسط مجتمع يزداد وعياً كل يوم.






