قضايا

جدل في المغرب حول رادارات السرعة الجديدة: استثمار بالملايين وفعالية مشكوك فيها

أثارت الرادارات الجديدة التي اقتنتها الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية من شركة ألمانية، جدلاً واسعاً في الأوساط المدنية والحقوقية بالمغرب، حيث شكك المرصد الوطني للنقل الطرقي في ملاءمة هذه الأجهزة للواقع المغربي، خصوصاً مع بدء استخدامها في مدينتي الدار البيضاء ومراكش منذ يونيو 2025. هذه الرادارات، التي كلفت الملايين، لا تزال فعاليتها محل جدل كبير، خاصة بعد أن شهدت ألمانيا نفسها تراجعاً قضائياً ضد استخدام نفس النوع من الرادارات، حيث ألغت محكمة هناك غرامة صدرت عن الجهاز، وأشار أربعة خبراء إلى عدم دقة القياسات التي يقدمها، خصوصاً في الحالات التي يغير فيها السائق مساره أو تتداخل مركبات أخرى.

المرصد الوطني تساءل عن مدى دراسة هذه التجارب السابقة قبل الإقدام على شراء هذه الأجهزة في المغرب، وعن المخاطر القانونية التي قد تنتج عن الطعون في المخالفات المسجلة بواسطة هذه الرادارات، مما يطرح إشكالاً كبيراً حول جدوى هذا الاستثمار. وفي الوقت الذي أكدت فيه الوكالة أن التجربة ستقتصر على الدار البيضاء ومراكش، أوضح المرصد أن نموذج الرادارات المختار “PoliScan” مخصص للطرق السريعة والمعزولة، وليس للمدن التي تشهد حركة مرور معقدة وكثيفة. وبحسب معطيات رسمية، تحدث معظم الحوادث القاتلة في المناطق الحضرية، وغالباً ما تكون الدراجات النارية طرفاً أساسياً في هذه الحوادث، مما يجعل توجيه الاستثمارات نحو هذا النوع من الرادارات مغالطة تكنولوجية لا تخاطب الواقع.

الأرقام الصادمة التي كشفت عنها لجنة اليقظة التابعة للجنة الدائمة للسلامة الطرقية تظهر ارتفاع نسبة الوفيات بحوادث السير داخل الوسط الحضري بنسبة تقارب 49% حتى يوليوز 2025، وهذا رغم وجود هذه الرادارات، مما يعزز الشكوك في جدوى هذا الاستثمار المكلف الذي لم ينجح في مواجهة الأسباب الحقيقية لحوادث السير. أما فيما يخص الكلفة المالية، فقد تجاوز عرض الشركة الألمانية سقف التقديرات الأولية بحوالي 9 ملايين درهم، حيث قدمت عرضاً بقيمة 29.5 مليون درهم، في حين كانت التقديرات الأولية لا تتجاوز 20 مليوناً، وهذا دون وجود منافسة أو عروض بديلة، مما يطرح تساؤلات عن شفافية ودقة عملية الشراء.

في ظل هذه المعطيات، يبرز السؤال الأساسي: هل يحتاج المغرب إلى أجهزة معقدة وفائقة التكنولوجيا، أم إلى حلول بسيطة وفعالة تركز على معالجة نقاط الخطر الحقيقية التي تشهدها المدن؟ فمن دون خطة شاملة تضع السلامة على رأس الأولويات وتستجيب للخصوصيات المحلية، تبقى هذه الرادارات مجرد استعراض إعلامي يصرف ملايين الدراهم دون أن يخفض فعلياً عدد الحوادث أو الوفيات.

يبدو واضحاً أن الاستثمار في تكنولوجيا لا تلبي حاجة الواقع المغربي، وتحويل الأموال إلى تقنيات قد تتعرض للطعن القضائي، يفضح هشاشة منظومة السلامة الطرقية ويؤكد غياب رؤية واضحة تنقذ الأرواح قبل جباية الغرامات. المغرب اليوم بحاجة إلى سياسات فعالة ومستدامة ترتكز على تحليل دقيق وواقعي، وتدخلات تستهدف أبرز أسباب الحوادث، وليس إلى آلات باهظة الثمن قد تتحول إلى عبء إضافي على المال العام والمواطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى