قضايا

شبهات “ابتزاز” في صفقات عمومية : مفتشية المالية تدخل على الخط

باشرت المفتشية العامة للمالية تحقيقات موسعة داخل عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية، على خلفية تأخر غير مبرر في صرف مستحقات شركات خاصة نالت صفقات عمومية، وسط شبهات ثقيلة تفيد بوجود “عمولات” و”ابتزازات” مورست من طرف موظفين مقابل تسريع إجراءات الأداء والفوترة.

مصادر مطلعة كشفت أن التدقيقات الجارية انطلقت بناءً على تقارير وشكايات مباشرة من مقاولين، تحدثوا فيها عن عراقيل ممنهجة تسببت في شلل شبه كامل لنشاطهم التجاري، بل أدّت في بعض الحالات إلى التوقف النهائي عن العمل، بفعل تراكم الالتزامات المالية تجاه الأبناك والموردين، وما تبع ذلك من تهديدات قانونية ومصيرية.

التحقيقات كشفت عن كمّ ضخم من الصفقات المتأخرة على مستوى الأداء، بعضها ظل قيد الدراسة لأشهر، رغم استكمال تنفيذها من قبل المقاولات المعنية. الأمر الذي عزّز شكوك المفتشين حول وجود شبهة “ابتزاز صامت”، يمارسه مسؤولون عن الأداء والمشتريات، الذين راكم بعضهم ثروات ضخمة تفوق بكثير أجورهم وتعويضاتهم الرسمية، ما دفع إلى فتح مسارات تفتيش موازية تركز على تضارب المصالح وتضخم الثروة غير المبرر.

وفي هذا السياق، أظهرت عمليات الافتحاص تملّك بعض الموظفين العموميين لعقارات ومنقولات باسم أقاربهم، بينهم أبناء وزوجات، في مؤشرات توحي بإخفاء مصدر الأموال. وتُرجح التحقيقات الأولية أن هذه الثروات مرتبطة بعائدات عمولات مقابل التلاعب بأولويات الأداء وتسريع صرف الفواتير لصالح مقاولات بعينها.

تُعيد هذه الفضيحة المالية طرح سؤال العدالة في تدبير الصفقات العمومية، خصوصًا في ظل ما يشبه “اقتصاد الريع الإداري”، حيث تُمنح الأفضلية للمقاولات “المحظوظة” القادرة على دفع المقابل، بينما تُعاقب المقاولات النزيهة بتأخير مستحقاتها، أو إدخالها في دوامة بيروقراطية تفتك بتوازنها المالي.

ففي الوقت الذي تكافح فيه الدولة لإنعاش الاستثمار المحلي، تقف هذه الممارسات حجر عثرة حقيقية في وجه نسيج اقتصادي هش، تعاني غالبيته من ضيق السيولة وقصر آجال التحمل المالي. خصوصًا وأن دراسات سابقة ربطت أزيد من 40% من حالات إفلاس المقاولات المغربية بمشكلة تأخر الأداء، والتي تسببت سنة واحدة في توقف نحو 3600 شركة عن النشاط بشكل نهائي.

من بين ما رصده المفتشون خلال الافتحاص، حالات مخالفة للإجراءات القانونية المرتبطة بالتنفيذ المالي للصفقات، خصوصًا في الملفات التي تخص مقاولات انخرطت في مساطر معالجة صعوبات المقاولة. حيث تبين أن دفاتر التحملات غالبًا ما تربط الأداء بمحاضر التسليم المؤقت أو النهائي، و”أوامر الخدمة” (Ordre de service)، إلا أن بعض الموظفين عمدوا إلى “تجاوز” هذه الشروط في استثناءات غامضة، سمحت بصرف مبالغ ضخمة دون اكتمال المساطر، في خرق صريح للضوابط الإدارية.

هذه التجاوزات، التي تخالف روح الشفافية والمنافسة العادلة، خلقت بيئة غير مواتية للأعمال، تُكافَأ فيها العلاقات الشخصية وتُعاقَب فيها الكفاءة والجدية، في تقويض مباشر لثقة المستثمرين، وخرق لمبادئ الحكامة التي طالما رُفع شعارها في الخطابات الرسمية.

يتوقع أن تُفضي التحقيقات الجارية إلى إحالة ملفات ثقيلة على القضاء، خاصة مع تأكيد تقاطعها مع تحقيقات إدارية داخلية بمؤسسات عمومية معنية. كما ينتظر أن تُتخذ قرارات إدارية حازمة في حق المسؤولين الذين ثبت تورطهم، سواء في تعطيل الأداء أو الاستفادة من علاقات غير قانونية داخل حلقات الفوترة والتأشير.

وتبرز هذه الفضيحة المالية لتكشف من جديد عن هشاشة الرقابة في بعض مفاصل الدولة، وضرورة تحصين الصفقات العمومية من التلاعبات، عبر تفعيل دور الرقابة المستقلة، وإرساء منظومة صارمة لمكافحة الفساد الإداري، خاصة في ما يتعلق بتدبير المال العام وحقوق المقاولات الجادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى