أزمة داخلية تهز التجمع الوطني للأحرار: أخنوش يدفع ثمن وزراء مقطوعي التواصل وطلقات تدفع لإسقاط “الحمامة”

تعيش “الحمامة”، رمز حزب التجمع الوطني للأحرار، أسوأ لحظاتها السياسية منذ صعودها اللافت في الانتخابات السابقة. الأزمة الداخلية لم تعد مجرد ارتباك تنظيمي أو ضيق في التنسيق، بل تحولت إلى حرب حقيقية مفتوحة، تشن فيها الطلقات من الداخل والخارج، في محاولة لإسقاط حزب يقود الحكومة، ويستعد لدخول انتخابات مصيرية بعد الخطاب الملكي الحاسم بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش.
وزراء بدون تواصل… قادة الجهات في عزلة!
داخل الحزب، تنفجر موجة غضب غير مسبوقة. مسؤولو الجهات والإقليميون يشتكون من حالة عزلة قاتلة فرضها عليهم وزراء الحزب، الذين “أغلقوا الهواتف وأبواب الحوار”، ولم يعودوا يتجاوبون مع القواعد، ولا مع الملفات التي وُعد بها المواطنون خلال الحملات الانتخابية السابقة. الوزراء المعنيون بالصمت القاتل: أمين التهراوي، مصطفى بايتاس، نادية العلوي، زكية الدريوش، أحمد البواري، فاطمة الزهراء عمور، ولحسن السعدي.
هؤلاء، وفق وصف صريح داخل القواعد، لا يفهمون أبجديات الخطاب السياسي، ولا يمتلكون القدرة على الإقناع، ويتعاملون مع المسؤولية الحكومية كأنها منصب إداري محصن لا علاقة له بالتنظيم السياسي ولا بمسؤولية القرب من المواطن.
السعدي، مثلاً، بات مادة للسخرية داخل دوائر الحزب، بسبب خرجاته المتسرعة و”هرولته غير المفهومة” في الأنشطة الرسمية والحزبية، ما جعله محط انتقاد واسع وسط مناضلين يرون فيه عبئًا حقيقيًا يُفقد الحزب وقاره السياسي،أما أمين التهراوي وزير الصحة فيصنف ضمن الطابور الخامس الذي يمتلك النفوذ من رئيس الحزب و لا حق لأي مناضل مخاطبته او الوصول إليه.
أخنوش تحت الضغط: هل أخطأ الحساب؟
رئيس الحكومة ورئيس الحزب، عزيز أخنوش، لم يسلم من نيران الغضب، حيث يحمّله عدد من المسؤولين والمناضلين مسؤولية “استوزار الوجوه المقربة”، وتهميش الكفاءات الحزبية المؤهلة ميدانيًا وتنظيميًا. اختيارات غير متوازنة، غيّبت التمثيل العادل للجهات الـ12، وكرست ثقافة الولاء بدل الكفاءة.
تهمة “الإقصاء الممنهج” طالت أخنوش في أكثر من جهة، حيث يشعر المناضلون بأن القيادة المركزية لم تعد تعنيهم، وأن هناك “حكومة ظل مصغرة داخل الحزب” لا ترى إلا أسماء معينة، بينما يعاني التنظيم الجهوي من الإهمال والجمود.
الطلقات تُطلق من كل الجهات… الحرب بدأت!
الارتباك الداخلي لم يمر دون أن تلتقطه الخصوم السياسيون، المؤثرون، الإعلاميون، والمعارضون السابقون. برلمانيون معتقلون، مؤثرات بارزات على السوشيال ميديا، وساسة من العهد السابق، جميعهم بدأوا حملة متصاعدة لـ”قصف الحمامة”، مستغلين كل هفوة وكل ضعف في أداء الوزراء للترويج لسردية “فشل الحزب الحاكم”.
الطلقات النارية التي تتلقاها الأحرار لم تعد فقط من معارضة سياسية منظمة، بل من حرب إعلامية رقمية منظمة، ترصد كل تحرك، وتسلط الضوء على كل غياب، وتضخمه في الخطاب العام. وفي غياب تواصل فعّال من الوزراء المعنيين، باتت الأكاذيب تُصَدّق، والحقائق تُشوَّه، والنتائج تُحوّر،فحتى كتائب أخنوش و مناضلي الصفحات تراجعوا عن الدفاع.
إنها حرب ممنهجة لاجتثاث الحمامة من موقع القوة، واستغلال فوضى الداخل لتقويض الحزب من الخارج. وأخنوش، إذا لم يتحرك، قد يجد نفسه وسط العاصفة، دون من يدافع عنه، ودون قاعدة شعبية صلبة تستطيع مواجهة الزحف المضاد.
خطاب العرش يزيد الضغط… والانتخابات تطرق الأبواب
تأتي هذه الأزمة في ظل خطاب ملكي حاسم، دعا فيه جلالة الملك محمد السادس وزارة الداخلية إلى الشروع الفوري في تنظيم الانتخابات التشريعية في موعدها الدستوري، مؤكداً على ضرورة توفير منظومة تشريعية واضحة قبل نهاية السنة.
الرسالة كانت واضحة: لا تهاون مع التأخير، ولا مكان للارتباك. وهو ما زاد من الضغط على الأحرار، كونهم الحزب القائد للحكومة، والمطالب بإعطاء إشارات واضحة على الانضباط، والجاهزية، والقدرة على قيادة المرحلة المقبلة،و على عاتقه المسؤولية لتقديم الحساب.
لكن الواقع الحالي داخل الحزب لا يعكس هذا الاستعداد. بل يُظهر حزباً ممزقاً بين قيادة منشغلة بالحكم، ووزراء معزولين عن قواعدهم، والتنظيمات الجهوية غاضبة تُنذر بانفجار داخلي.
هل تنهار “الحمامة” في لحظة الحقيقة؟
الأيام القادمة ستكون مفصلية. فإما أن ينجح أخنوش في إجراء عملية تصحيح شاملة، يعيد فيها التواصل والانفتاح، ويصحح اختلالات الاستوزار، وينزل إلى الميدان رفقة وزرائه… أو أن “الحمامة” ستُسقط من داخلها، قبل أن تسقطها الطلقات القادمة من الخارج.
المناضلون اليوم لا يطلبون معجزات. يطلبون فقط وزراء يُصغون، قيادات تُقدّر، وخطاب سياسي يحترم التزامات الحزب مع المواطنين. فهل ينجح أخنوش في تدارك الموقف؟ أم أن الوقت قد فات؟
المؤكد أن الاستوزار مؤقت، لكن الحزب هو الباقي. وإن لم تتحول “الحمامة” من رمز صوري إلى تنظيم فعلي نابض بالحياة، فقد تُصبح الانتخابات القادمة بداية النهاية لمشروع سياسي تبخّر قبل أن يكتمل.






