زلزال البرنامج الاستعجالي”.. التعليم يفتح جراحه القديمة والقضاء يتحرك بعد سنوات من الصمت

بعد سنوات من الجدل والصمت الرسمي، عاد ملف البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم إلى واجهة الأحداث في المغرب، في سياق جديد تطبعه محاسبة المتورطين في ملفات الفساد المالي وسوء التدبير. فرغم أن هذا البرنامج حُمّل بآمال إصلاح منظومة التعليم وتجاوز أزماتها المتراكمة، إلا أن نهايته لم تكن سوى فضيحة وطنية مدوية، بعدما التهم ميزانية تتجاوز 4500 مليار سنتيم دون تحقيق النتائج المنتظرة، بل وأعادت طرح سؤال جوهري: من المسؤول عن هدر المال العام دون محاسبة؟
في تطور لافت، أحالت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية مؤخرًا نتائج تحقيقات معمقة بخصوص البرنامج الاستعجالي على أنظار الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف، متضمنة معطيات دقيقة حول اختلالات جسيمة شابت عمليات الإعداد والتدبير، خاصة داخل أكاديمية جهة الدار البيضاء الكبرى.
وكشفت التحقيقات عن تجاوزات خطيرة في إبرام الصفقات وسندات الطلب، بما في ذلك خرق صارخ للقوانين المنظمة للصفقات العمومية، والتلاعب بمبادئ المنافسة، بل واللجوء إلى ما يشبه “المنافسة الصورية” لضمان تمرير صفقات لفائدة شركتين محددتين، ما يُرجّح وجود شبهة تواطؤ بين المسؤولين وبعض المقاولات المستفيدة.
لم يقتصر التحقيق على البيضاء فقط، إذ امتد ليشمل مسؤولين في أكاديميات أخرى كـالرباط، فاس، ومراكش. فقد تم إصدار أحكام بالإدانة في حق بعض المسؤولين الجهويين بخصوص تدبير البرنامج، خصوصًا في محاكم فاس ومراكش، بينما لا تزال ملفات أخرى قيد التحقيق لدى محكمة الاستئناف بالرباط، حيث يتم التدقيق في الصفقات المنجزة والنفقات المالية التي سُجلت بشأنها خروقات أو شبهات فساد.
يشكّل هذا التحرك القضائي الجديد جزءاً من الدينامية التي أطلقتها رئاسة النيابة العامة مؤخراً، والتي تهدف إلى إحياء الملفات الراكدة المتعلقة بتبديد المال العام، في انسجام مع دعوات أعلى سلطة في البلاد إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة.
لكن يبقى السؤال معلقًا: هل ستطال التحقيقات أسماء من العيار الثقيل داخل الوزارة، أم ستقتصر على موظفين ومسؤولين جهويين؟
الشارع ينتظر، والقطاع ما زال يعاني آثار فشل الإصلاح، بينما الترقب سيد الموقف.
البرنامج الاستعجالي، الذي تم إطلاقه بين 2009 و2012، كان من المفترض أن يشكّل رافعة حقيقية لإصلاح المدرسة العمومية، من خلال تطوير البنيات التحتية، وتحسين المناهج، وتوفير الموارد البشرية الكافية. لكن واقع الحال أظهر العكس، حيث تم استنزاف المليارات دون أثر ملموس، في وقت ما تزال فيه مدارس بدون مرافق صحية، وأقسام تعاني الاكتظاظ، ونسب الهدر المدرسي مقلقة.
ورغم مرور أكثر من عقد على نهاية البرنامج، فإن ندوبه لا تزال واضحة في كل زوايا المنظومة التعليمية، سواء على مستوى النتائج أو ثقة المواطن في السياسات العمومية في هذا القطاع الحساس.
العودة إلى فتح ملف البرنامج الاستعجالي ليست فقط مسألة مالية أو تقنية، بل هي امتحان حقيقي للدولة في احترام مبادئ الشفافية والمسؤولية. إن ما ينتظره الرأي العام ليس فقط تقديم “أكباش فداء”، بل محاسبة عادلة تمتد لكل من تورط أو تستر أو غض الطرف، أيّاً كان موقعه أو مسؤوليته.
العدالة البطيئة قد تتحرك أخيرًا.. ولكن هل تتحرك بما يكفي لتُعيد ثقة المغاربة في قدرة الدولة على محاربة الفساد فعليًا، لا فقط عبر الشعارات؟






