صحة

**”أطباء فوق القانون”: الطابور الخامس ينهش جسد المستشفيات العمومية ويُغرق المرضى في الموت البطيء!

فاس 24– تحقيق صحفي خاص

في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن إصلاح المنظومة الصحية، وتضخ المليارات لإنقاذ المستشفيات العمومية من الانهيار، يواصل طابور خامس من  بعض “أساتذة الطب” المتخفّين تحت عباءة الوظيفة العمومية، ذبح القطاع من الداخل، عبر التخلي المتعمّد عن مهامهم داخل المركز  الاستشفائية بالمغرب و المسشفيات الجهوية و الإقليمية، و الذي قرر من خلاله بعض محترفي القطاع الخاص الارتماء الكامل في أحضان المصحات الخاصة بحثًا عن الاغتناء غير المشروع.

الظاهرة لم تعد مجرد سلوك معزول، بل أصبحت نمطًا ممنهجًا من الاستغلال الفجّ لموقع الوظيفة العمومية، وسحقًا متواصلًا لحقوق المرضى، في ظل عجز الوزارة الوصية وصمت مريب من كافة الجهات المعنية.

لا يمكن تحميل المسؤولية للإدارة أو التعلل بالضغط، حين يتحول الطبيب الجامعي إلى تاجر وقتٍ ومريضٍ، يبيع لحظاته في المصحات الخاصة، ويترك القسم العمومي الذي كونه و يؤدي له اجرة محترمة جدا خاويًا، دون أدنى احترام لأبسط واجباته المهنية بعد ان باع ضميره المهني من أجل الاغتناء السريع.

إنها ليست مجرد غيابات متقطعة، بل تخلي كامل ومدروس، مدفوع بأرباح خيالية. فـ”الأساتذة الأطباء” الذين تدفع لهم الدولة أجورًا ضخمة وتعويضات سمينة، مقابل الإشراف على الأقسام، التعليم، والعلاج، اختار البعض منهم  التحول إلى مستثمرين في الألم، يتركون المواطن يلفظ أنفاسه في أقسام الاستشفاء، و بات الوصول الى عملية جراحية بمركب عمومي تدار على شهور و يدبرها اطباء جدد في غياب تام للاساتذة المشرفين ،بينما يفتحون هواتفهم حتى منتصف الليل للمريض القادر على الدفع تحت الطاولة بالمصحات الخاصة التي تعج بها أسمائهم.

رغم أن القانون يتيح لهم الاشتغال في القطاع الخاص يومين فقط في الأسبوع، إلا أن الواقع يُظهر أنهم حولوا المصحات إلى مقرات دائمة للعمل، دون حسيب ولا رقيب. لقد دخل بعضهم في استثمارات ضخمة في مصحات ومختبرات ومراكز خاصة، دون حتى التصريح القانوني بمغادرة القطاع العام أو احترام ضوابط الاشتغال الثانوي.

وزارة الصحة، من جهتها، عاجزة تمامًا عن مواجهة الوضع، إما بسبب ضعف أدوات المراقبة أو بسبب النفوذ الرمزي لبعض هؤلاء “الأساتذة” الذين يعتبرون أنفسهم فوق المحاسبة و يقدمون أنفسهم في اجتماعات رسمية أنهم هم من ينقذون القطاع دون ان يستحيوا أنهم هم من يغرقون المستشفى العمومي و يدمرون اي منظومة صحية.

اليوم، لم يعد الحديث عن الإصلاح ممكنًا دون تدخل مباشر لرئاسة النيابة العامة والفرقة الوطنية للشرطة القضائية. فلابد من النزول الميداني للمصحات الخاصة،لفتح أخطر ملف للفساد الممنهج ،من خلال مقارنة جداول عمل هؤلاء الأساتذة مع حضورهم في المستشفيات الجامعية، وتفكيك شبكة تضارب المصالح التي تتغذى على آلام الفقراء وتتركهم للموت في صمت.

هذا نزيف مالي وأخلاقي يضرب قيم المساواة، ويُدمّر ما تبقى من الثقة في المستشفى العمومي، ويحوّل رسالة الطب من مهنة نبيلة إلى سوق للسمسرة.

إن استمرار هذه الممارسات يعني أننا نشارك في قتل المنظومة الصحية بالصمت. هؤلاء الذين تخلوا عن أقسامهم وتحولوا إلى جشعين بلا حدود، لا يعانون من ضعف الأجور، بل من جشع لا يشبع، ورغبة في الربح حتى على حساب أرواح الناس.

إما فرض سلطة القانون على  فئة من “أطباء فوق القانون”، أو الاعتراف رسميًا بانهيار الصحة العمومية لصالح لوبي المصحات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى