حموشي في قلب الميدان: استراتيجية الأمن الرياضي بين الحضور الشخصي والفعالية الميدانية

في كل مرة تقترب فيها مباراة كبرى من انطلاقها، يبرز اسم المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، كأحد أبرز الوجوه الحاضرة ميدانياً. فزياراته المتكررة لملاعب المملكة، ومنها الأخيرة للمركب الرياضي محمد الخامس بالدار البيضاء، لا تُعد مجرد تفقد روتيني، بل هي تجسيد عملي لفلسفة أمنية جديدة ترتكز على القيادة الميدانية والاستباقية العملياتية في تدبير الأحداث الجماهيرية الكبرى.
حضور ميداني يحمل دلالات استراتيجية
زيارة حموشي عصر أمس الأربعاء لمركب محمد الخامس جاءت في سياق استعدادات أمنية دقيقة لمباراة الديربي بين الوداد والرجاء، لكنها في العمق تعكس نهجاً شخصياً في القيادة الأمنية، قوامه القرب من الميدان وتقييم الأداء ميدانياً بدل الاكتفاء بالتقارير المكتبية. فحين يتفقد المدير العام بنفسه بروتوكولات الأمن، فإنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن الرهان على أمن المواطن وسلامة الجمهور الرياضي أولوية وطنية لا تقبل التهاون.
هذا الحضور الميداني المنتظم يرسخ صورة رجل أمن يواكب التفاصيل، يراقب مدى الالتزام بالخطط، ويحفز رجال ونساء الأمن على الانضباط والجاهزية، وهو ما يجعل من “ثقافة المسؤولية الميدانية” إحدى أبرز سمات المرحلة الأمنية الحالية.
من تدبير الأحداث إلى بناء منظومة أمنية حديثة
في عهد حموشي، لم تعد المقاربة الأمنية محصورة في التدخل ورد الفعل، بل انتقلت إلى منظور شامل للوقاية والتخطيط المسبق. فالمباريات الكبرى لم تعد تُؤمَّن بالعناصر البشرية فقط، بل تُدار وفق منظومة رقمية متكاملة تشمل المراقبة الذكية بالكاميرات عالية الدقة والطائرات المسيرة (الدرونات)، والتنسيق المسبق بين الفرق الميدانية ومراكز القيادة.
هذه الرؤية المندمجة تنسجم مع التوجهات الملكية التي شددت على ضرورة تحديث المرفق الأمني وتجويد خدماته للمواطنين، كما تتقاطع مع مضامين خطاب العرش الأخير الذي دعا إلى تعزيز مؤسسات الدولة بآليات الحكامة والنجاعة والتدبير الاستباقي. فالحموشي يترجم فعلياً هذه الرؤية، من خلال جعل المؤسسة الأمنية فاعلاً محورياً في تأمين الفضاء العام، لا سيما في التظاهرات التي تحظى بمتابعة جماهيرية واسعة.
نحو أمن رياضي بمعايير إفريقية ودولية
التحضيرات التي يشرف عليها حموشي شخصياً لا تتوقف عند حدود الديربي البيضاوي، بل تمتد إلى الاستعداد لاحتضان المملكة لكأس إفريقيا للأمم 2025، حيث تعمل المديرية العامة للأمن الوطني على ملاءمة بروتوكولاتها مع معايير الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (CAF)، بما يشمل سلامة الجماهير، وتأمين التنقلات، وضمان بيئة رياضية آمنة.
كما يشمل هذا التوجه تطوير “فرق الأمن الرياضي” وتكوينها مهنياً وفق معايير حديثة، وتوسيع نطاق التعاون الأمني الدولي، خصوصاً عبر الانخراط في منظومة “ستاديا” التي تعتمدها منظمة الإنتربول لتأمين التظاهرات الكبرى.
أمن الملعب.. من التدبير إلى الثقة
بفضل هذه الرؤية الميدانية، تحوّل تدبير المباريات إلى فضاء للثقة بين الأمن والجمهور، بعدما كانت ملاعب كرة القدم سابقاً مسرحاً للتوتر والفوضى. اليوم، صار حضور الأمن أكثر انضباطاً، وتدخلاته أكثر مهنية، بفضل المقاربة التي أرساها الحموشي والتي تجعل من الوقاية والاحترام المتبادل بين الجمهور ورجال الأمن قاعدة أساسية.
باختصار، ليست زيارات عبد اللطيف حموشي للملاعب مجرد تفقدات عابرة، بل هي علامة على عهد أمني جديد يقوم على المتابعة الدقيقة، والمواكبة الميدانية، وتطوير الكفاءات، في سبيل حماية الأمن العام وتعزيز صورة المغرب كبلد قادر على تنظيم كبرى التظاهرات الرياضية قارياً ودولياً.






