انتكاسة تدبيرية تعمق جراح العاصمة العلمية: كراسي فارغة تُسقط “دورة البقالي” وتعلن الإفلاس السياسي لمجلس فاس

تواصل العاصمة العلمية فاس الانحدار نحو نفق مظلم من الفوضى والجمود التدبيري، بعدما أجهز “البلوكاج” السياسي الحاد على آخر ما تبقى من هيكل المجلس الجماعي، متوجاً سنوات من الفشل الذريع، والعجز الشامل عن إدارة شؤون ساكنة باتت تتجرع مرارة التهميش والتردي التنموي.
في مشهد درامي يختصر حجم الانهيار، وجد رئيس المجلس الجماعي لفاس، عبد السلام البقالي، المنتمي لحزب التجمع الوطني للأحرار، نفسه وجهًا لوجه أمام عاصفة من الكراسي الفارغة؛ بعدما أقدمت مكونات الأغلبية المسيرة—قبل المعارضة—على مقاطعة الدورة الاستثنائية للتدقيق والمصادقة على نقاط حيوية، معلنة بذلك الوفاة الإكلينيكية للتحالف الحاكم وسحب البساط بالكامل من تحت أقدام العمدة.
نِصاب مفقود ورفعٌ للشغار.. نهاية “أغلبية الهشاشة”
لم تكن المقاطعة الجريئة للدورة الاستثنائية مجرد حدث عابر أو غياب طارئ، بل جاءت بمثابة صفعة سياسية مدوية ورسالة صريحة تُجهز على ما تبقى من مشروعية التسيير الحالي:
-
انهيار صفوف الأغلبية: مقاطعة مكونات التحالف التي شُكّلت منها الهيئة المسيرة تعكس وصول الخلافات والصراعات الداخلية إلى نقطة اللاعودة، حيث تحولت الاستفادة والمصالح الضيقة إلى عقيدة تدبيرية أحرقت الأخضر واليابس.
-
تأجيل قسري وشلل تام: أمام هذا الغياب الجماعي المفهوم والأشبه بـ”العصيان السياسي”، لم يجد البقالي بدًا من معاينة عدم اكتمال النصاب القانوني، ليعلن رفع الجلسة وتأجيلها إلى موعد لاحق، في مشاهد مكررة تُكرس منطق العبث وتسفيه الممارسة الجماعية.
العاصمة العلمية تحت وطأة الفشل.. اختلالات هيكلية ومجلس مفرغ من محتواه
تأتي هذه السقطة المدوية لتتوج مسارًا طويلاً من سوء التدبير والانزلاقات الهيكلية التي جعلت من حاضرة إدريس الأكبر نموذجًا صارخًا للتراجع التنموي والتردي الخدماتي:
-
شلل خدمات القرب: تشهد أحياء فاس تراجعًا غير مسبوق في جودة الخدمات الأساسية؛ بدءًا من أزمات النظافة وتهالك البنية التحتية الطرقية، وصولاً إلى تعثر ملفات النقل الحضري والإنارة العمومية، في وقت انشغل فيه مسؤولو المجلس بالترشح والتصاحب وتصفية الحسابات الضيقة.
-
توقف المشاريع الاستثمارية: يعيش الاستثمار المحلي حالة جمود تام بفعل غياب رؤية شمولية قادرة على تحريك العجلة الاقتصادية وجذب رؤوس الأموال، مما أدى إلى تفاقم نسب البطالة وسط الشباب وإغراق المدينة في العزلة.
-
مجلس فاقد للوصلة والشرعية: أثبتت التطورات الأخيرة أن المجلس الحالي أضحى مجلسًا فاقدًا لكل شيء؛ فاقدًا للانسجام، فاقدًا للرؤية التنموية، وفاقدًا لأهم شرط في التدبير الجماعي: الاحترام والشرعية أمام الساكنة.
صرخة مدينة تعيش الأمرين: متى تتوقف مهزلة التدبير؟
إن الوضع الكارثي الذي آلت إليه جماعة فاس لم يعد يحتمل أنماط “الترقيع” أو المراهنة على مسكنات التوافقات الحزبية الصورية. فالمدينة تعيش اليوم إحدى أسوأ مراحلها التاريخية على المستوى المحلي، وسط حالة من السخط العارم والشديد لدى المواطنين الذين أدوا فاتورة باهظة لقاء أخطاء النخب المنتخبة.
إن مسيرة الكراسي الفارغة التي أطاحت بدورة البقالي هي مجرد الشرارة الأولى لانفجار حتمي لمجلس عجز عن حماية مصالح المدينة؛ وهو ما يضع السلطات الولائية والمؤسسات الرقابية أمام مسؤولية تاريخية للتدخل العاجل، ووضع حد لهذا العبث الذي يستنزف الزمن التنموي للعاصمة العلمية للمملكة.






