قضايا

هروب من المناصب الحساسة.. الداخلية تمدد مهلة تعيين القوابض الجماعيين وسط أزمة ثقة ومخاوف المحاسبة

تعيش الجماعات الترابية أزمة حقيقية في إيجاد أطر مؤهلة لتحمل مسؤولية “القابض الجماعي”، بعدما أصبح هذا المنصب من أكثر المواقع الإدارية إثارة للتوجس بين الموظفين، الذين يفضل أغلبهم الاعتذار عن توليه خشية تبعات المحاسبة المالية الصارمة والإجراءات القضائية التي طالت عدداً من المسؤولين الجماعيين خلال السنوات الأخيرة، بعد اتهامهم بارتكاب مخالفات جبائية أو تدبيرية.

وأمام هذا الوضع، وجدت وزارة الداخلية نفسها مضطرة إلى تمديد أجل تعيين القوابض الجماعيين لستة أشهر إضافية، إلى غاية يونيو المقبل، وهو الموعد الذي يتزامن مع دخول المقتضيات الجبائية الجديدة حيز التنفيذ. ويُفهم من هذا القرار أن السلطات تسعى إلى منح الجماعات فرصة لإعادة تنظيم هياكلها الإدارية والمالية، في ظل خصاص متزايد في الأطر المؤهلة لتدبير الملفات الحساسة.

ويأتي هذا الخصاص نتيجة مباشرة لتوالي إحالات الموظفين على التقاعد، وضعف الإقبال على المناصب المالية ذات الطابع المحاسباتي، حيث يعتبرها كثيرون “مغامرة محفوفة بالمخاطر”، بسبب تعقيد المساطر وتعدد المتدخلين في الرقابة، إضافة إلى مسؤولية التوقيع المشترك مع رؤساء الجماعات على وثائق ذات طابع مالي صارم.

وقد سارعت السلطات الوصية إلى مطالبة المجالس الجماعية بعقد دورات استثنائية لتدارك اختلالات دورات أكتوبر، وملاءمة مقرراتها الجبائية مع المستجدات القانونية الأخيرة، خاصة تلك المتعلقة برسم الضريبة على الأراضي غير المبنية، الذي تم تعديله بموجب القانون 12.25 المغير والمتمم للقانون 47.06.

وطالبت وزارة الداخلية المجالس المحلية بتحديد المناطق الحضرية وفق مستويات تجهيزها — عالية، متوسطة أو ضعيفة — قبل عرض الأسعار الجديدة للتصويت، حتى يكون تطبيق الضريبة متناسباً مع واقع التنمية المحلية ومستوى البنيات التحتية المتوفرة.

ويأتي ذلك في إطار تفعيل إصلاح شامل للجبايات المحلية، تبنته الحكومة من خلال المصادقة على القانون 14.25، الذي يعد امتداداً لمنظومة القوانين المنظمة للجماعات الترابية، ومن أبرزها القانون 07.20 المتعلق بجبايات الجماعات، والذي شكل اللبنة الأولى لبناء نظام جبائي محلي حديث وموحد.

ويرمي الإصلاح الجديد إلى ربط قيمة الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية بمستوى التجهيز الفعلي للمناطق المعنية، مع تحويل مهام إصدار وتحصيل عدد من الرسوم المحلية — مثل رسم السكن والخدمات الجماعية — إلى إدارة الضرائب، تمهيداً لإحداث إدارة جبائية جهوية ومحلية أكثر فعالية وشفافية.

كما يسعى القانون إلى تحسين آليات التحصيل عبر إحداث “قباض جماعيين” يتولون مباشرة مهام التصفية والتحصيل، مع تمكين المصالح الجبائية من ملفات الملزمين التي كانت من اختصاص الخزينة العامة سابقاً، لضمان نجاعة أكبر في تدبير الموارد المحلية.

هذا الوضع يعكس، في جوهره، أزمة ثقة بين الإدارة الجماعية وموظفيها، إذ يخشى الكثير من الأطر أن يجدوا أنفسهم أمام مسؤوليات ثقيلة دون ضمانات كافية للحماية القانونية. ومع ذلك، تراهن وزارة الداخلية على الإصلاح الجبائي الجديد لإعادة هيكلة التدبير المالي المحلي، وتحديث أدوات الرقابة والمحاسبة بما يضمن التوازن بين المسؤولية والمساءلة، ويُعيد الثقة في الجهاز الإداري للجماعات الترابية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى