ملف الأحد: فاس بين الركام والمساءلة: انهيارات متتالية تكشف هشاشة العمران العشوائي.. مدينة التاريخ تنزف دماءا و ركامًا – أرواح تحت الأنقاض ومساءلة معلقة ..هل ستفتح مأساة المرنيين الملف الأسود؟

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
في ليلة دامية من ليالي ماي، تحديدًا مساء الأربعاء الرابع عشر من الشهر الجاري (ماي 2025)، فبينما كان أهالي عمارة مهددة بالإنهيار يبحثون عن النوم عند منتصف الليل وجدوا أنفسهم تحت الركام و هناك من فارق الحياة ،و بجانبهم استيقظت مدينة فاس العريقة على فاجعة جديدة تضاف إلى سجلها المثقل بحوادث انهيار المنازل. ففي مقاطعة المرينيين، التي تحتضن في جوانبها أحياء عشوائية نمت كالفطر على أطراف المدينة التاريخية، هوت عمارة سكنية متعددة الطوابق، لتخلف وراءها مشهدًا مروعًا: عشرة أرواح زهقت تحت الأنقاض، وعشرات آخرين أصيبوا بجروح متفاوتة الخطورة.
هذا الانهيار المأساوي لم يكن حدثًا معزولًا، بل هو حلقة أخرى في سلسلة مؤلمة من الحوادث المماثلة التي عصفت بفاس على مدار السنوات الأخيرة. هذه الوقائع المتكررة تضع علامات استفهام بحجم المدينة العتيقة نفسها حول مدى جدية وفعالية الإجراءات المتخذة من قبل الجهات الوزارية و السلطات المحلية لمعالجة جذور هذه الظاهرة التي تهدد حياة قاطنيها وتقوض نسيجها الاجتماعي والاقتصادي.
فاس: تاريخ عريق وواقع عمراني متصدع يفاقم الهشاشة الاجتماعية
تتربع فاس على عرش المدن المغربية العريقة، بتاريخها الضارب في أعماق الحضارات المتعاقبة ومعالمها الشاهدة على إرث معماري فريد. إلا أن الصورة البهية للمدينة القديمة، المصنفة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، تخفي في ثناياها واقعًا عمرانيًا أكثر تعقيدًا وهشاشة، يتجلى بوضوح في الأحياء العشوائية التي تحتضن غالبًا شرائح اجتماعية واقتصادية هشة. فإلى جانب النسيج التاريخي الذي يستدعي ترميمًا دقيقًا ومستمرًا، تتوسع على أطراف فاس أحزمة الفقر و البؤس و أحياء عشوائية مهمشة بنيت في غفلة من القانون، لتشكل حزامًا من البناء غير المنظم يهدد حياة الآلاف من السكان الذين يجدون في هذه المساكن ملاذًا قسرًا نظرًا لارتفاع تكاليف السكن اللائق.
مقاطعات مثل المرينيين، جنان الورد، سايس، وأعوينات الحجاج، أصبحت مرتعًا للبناء العشوائي الذي يستغل ضعف الرقابة والتراخي في تطبيق القوانين. هذه الأحياء، التي نشأت في ظروف غالباً ما تكون غير آمنة وتفتقر إلى أبسط معايير السلامة والجودة في البناء، تشهد كثافة سكانية متزايدة وتفتقر إلى أبسط معايير السلامة والجودة في البناء، مما يجعلها قنابل موقوتة تهدد بوقوع المزيد من الكوارث التي تزيد من معاناة الأسر الفقيرة وتعمق جراحها.
المنتخبون و السلطات المتعاقبة على تدبير المدينة في قفص الاتهام: مسؤولية مركبة وتراخي مستمر يغذي شبكات السماسرة
تتجه أصابع الاتهام في هذه المأساة بشكل مباشر نحو السلطات المحلية بمختلف مستوياتها. أعوان السلطة، القياد، مسؤولو التعمير، الوكالة الحضرية، وصولًا إلى المجالس المنتخبة المتعاقبة، يتحملون جزءًا لا يستهان به من المسؤولية في تفريخ هذه الأحياء العشوائية والسماح بتغولها.
فالسماح ببناء عمارات عشوائية و غير مرخصة فضلا على أنها “مغشوشة” – أي تلك التي تفتقر إلى المعايير الهندسية والسلامة وجودة البناء – في مناطق معروفة بخطورتها الجيولوجية أو بنيتها التحتية الضعيفة، والتراخي الملحوظ في تطبيق قوانين البناء الصارمة، والتقصير الواضح في مراقبة المشاريع العمرانية التي تنبت كالفطر دون حسيب أو رقيب، كلها عوامل ساهمت بشكل مباشر في تفشي هذه الظاهرة الخطيرة.
المراقبون للشأن المحلي في فاس يشيرون إلى تقاعس مزمن في تفعيل آليات المراقبة والزجر، وغض الطرف لغرض في نفس يعقوب عن تجاوزات صارخة في قوانين التعمير، مما شجع شبكات منظمة من الوسطاء والسماسرة على استغلال حاجة المواطنين للسكن بأسعار زهيدة، وتقديم وعود زائفة بحياة آمنة في مساكن لا تستوفي أدنى شروط السلامة. هؤلاء السماسرة غالبًا ما يكونون على صلة ببعض المسؤولين المحليين المتورطين في تسهيل عمليات البناء العشوائي مقابل رشاوى أو مصالح شخصية، مما يعقد من جهود مكافحة هذه الظاهرة.
المدينة العتيقة: إرث مهدد وترميم متعثر يفاقم خطر الانهيار
على صعيد آخر، تعاني المدينة العتيقة بفاس، رغم قيمتها التاريخية والإنسانية، من مشكلة أخرى لا تقل خطورة: الإهمال وتأخر مشاريع الترميم. فبالرغم من التوجيهات الملكية السامية التي تؤكد على ضرورة صيانة هذا الإرث الحضاري، والميزانيات الضخمة التي تم تخصيصها لتأهيل النسيج العتيق، لا تزال وكالة إنقاذ فاس تواجه صعوبات جمة في تسريع وتيرة ترميم العشرات، بل المئات، من الدور الآيلة للسقوط.
هذا البطء في تنفيذ المشاريع لا يهدد جمالية المدينة وتاريخها فحسب، بل يعرض حياة قاطني هذه الدور للخطر المحدق. فالعديد من الأسر تعيش في منازل متصدعة، تنتظر مصيرًا مجهولًا تحت أسقف وجدران قد تنهار في أي لحظة. التأخير في توفير بدائل آمنة لهذه الأسر يزيد من معاناتها ويجعلها عرضة لمصير مشابه لضحايا انهيار المرينيين.
رأي الخبراء: أسباب هيكلية وحلول جذرية ضرورية
يؤكد المهندس المعماري والخبير في مجال التخطيط الحضري، فظل عدم الكشف عن إسمه، أن “مشكلة انهيار المنازل في فاس تعود إلى أسباب هيكلية متجذرة، تتجاوز مجرد قدم البناء أو الإهمال الفردي. هناك ضعف في آليات الرقابة والتطبيق الصارم للقوانين، وتواطؤ في بعض الأحيان بين بعض المسؤولين وشبكات البناء العشوائي. الحل يكمن في تبني استراتيجية شاملة تتضمن إصلاحًا جذريًا لمنظومة التعمير، وتفعيل دور المراقبة المستمرة، ومحاسبة المسؤولين عن التقصير، بالإضافة إلى توفير حلول سكنية بديلة وآمنة للمواطنين.”
من جهته، يشير عالم اجتماع، إلى أن “البعد الاجتماعي والاقتصادي لهذه القضية لا يقل أهمية. غالبية سكان الأحياء العشوائية هم من الفئات الهشة التي غادرت القرى صوب المدينة لا تملك بدائل أخرى للسكن. أي حل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار وضعهم الاجتماعي والاقتصادي، ويوفر لهم حلولًا مستدامة تضمن كرامتهم وأمنهم.”
مقترحات للتحرك العاجل: خارطة طريق لإنقاذ الأرواح والتراث
لمعالجة هذه الأزمة المتفاقمة، يرى الخبراء والمحللون ضرورة تبني مقاربة شمولية تتضمن إجراءات عاجلة واستراتيجيات طويلة الأمد:
- وقف نزيف البناء العشوائي بحزم: يجب على السلطات المحلية، بتنسيق مع القوات العمومية، التدخل الفوري لوقف أي محاولات لبناء طوابق عشوائية أو تشييد مبانٍ غير مرخصة. يتطلب ذلك تفعيل دوريات مراقبة مستمرة وتطبيق القانون على المخالفين دون هوادة، وملاحقة شبكات السماسرة المتورطة.
- إحصاء شامل وشفاف للمساكن غير الآمنة: إجراء مسح دقيق وشامل لجميع الدور والمباني العشوائية والآيلة للسقوط في مختلف أحياء فاس، مع تحديد درجة خطورتها وترتيب أولويات التدخلات بناءً على هذا التقييم. يجب أن تكون نتائج هذا الإحصاء متاحة للعموم بشفافية.
- تسريع ترحيل السكان وتوفير بدائل آمنة: يجب تكثيف الجهود لتسريع عملية ترحيل الأسر القاطنة في المساكن الخطرة إلى مشاريع سكنية آمنة ومجهزة، مثل القطب الحضري بحي أزليلك الذي تم تشييده لهذا الغرض. يتطلب ذلك توفير الدعم اللوجستي والاجتماعي اللازم لهذه الأسر، بما في ذلك الدعم النفسي لمساعدتهم على تجاوز الصدمات.
- تعزيز الشراكة الفعالة مع المجتمع المدني: تفعيل دور منظمات المجتمع المدني والجمعيات المحلية من خلال التوعية بمخاطر البناء العشوائي، والمساهمة في إيجاد حلول مستدامة لهذه المشكلة من خلال اقتراح مبادرات عملية وتقديم الدعم للمتضررين.
- تسهيل وتسريع إجراءات ترميم المدينة العتيقة: يجب على وكالة إنقاذ فاس تبسيط الإجراءات وتسريع وتيرة ترميم الدور الآيلة للسقوط في المدينة العتيقة، مع توفير الدعم المالي والتقني اللازم للملاك لتشجيعهم على القيام بأعمال الصيانة والترميم، وتقديم حوافز وتسهيلات إدارية لهم.
- تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة: يجب فتح تحقيقات معمقة وشفافة لتحديد المسؤوليات عن السماح بتفشي البناء العشوائي والتراخي في تطبيق القوانين، ومحاسبة المتورطين أيًا كانت مواقعهم، بما في ذلك محاسبة شبكات السماسرة والمسؤولين المتواطئين و خاصة المنتخبين السابقين،و أنه سقوط عشرة ضحايا لا يمكن ان نصنفه فسادا و غشا في البناء و لكن يجب ملاحقة المتورطين بقانون الإرهاب.
- وضع استراتيجية عمرانية مستدامة: تطوير استراتيجية عمرانية شاملة ومستدامة لمدينة فاس، تأخذ في الاعتبار النمو الديموغرافي والتوسع الحضري، وتضمن توفير سكن لائق وآمن لجميع السكان مع الحفاظ على الهوية التاريخية للمدينة، مع إشراك الخبراء والمجتمع المدني في صياغة هذه الاستراتيجية،و النهوض بإطلاق عملية واسعة لهدم جميع الأحياء المهددة بالإنهيار.
صرخة إنذار من تحت الأنقاض تستدعي صحوة الضمائر وتحركًا عاجلًا
إن مأساة انهيار المنازل في فاس ليست مجرد حوادث عابرة يمكن تجاوزها بسهولة، بل هي صرخة إنذار مدوية تكشف عن تراكم عقود من الإهمال والتقصير في معالجة مشاكل البناء العشوائي والتدهور العمراني، وتعمق جراح الفئات الهشة في المجتمع. الدماء التي سالت تحت أنقاض عمارة المرينيين تستوجب تحركًا عاجلًا وحاسمًا من جميع الأطراف المعنية، من سلطات محلية ومركزية، ومجتمع مدني، وساكنة المدينة، لإيجاد حلول جذرية تضمن سلامة المواطنين وتحفظ تاريخ وروح مدينة فاس العريقة من الضياع تحت وطأة الركام والإهمال. المستقبل القريب سيحمل الإجابة الحاسمة حول ما إذا كانت فاس ستنتفض لمواجهة هذا التحدي الوجودي أم ستظل أسيرة فواجع متكررة تنخر جسدها وتاريخها، وتزيد من معاناة سكانها المهمشين.






