سياسة

قانون المالية 2027 يدخل مرحلة المواجهة البرلمانية.. حضور مكثف للأغلبية والمعارضة وتجاذبات حول رهانات لقجع المالية والاجتماعية

تتجه الأنظار، اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، إلى لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، حيث تتواصل أشغال المناقشة العامة لمشروع قانون المالية رقم 60.26 برسم السنة المالية 2027، في اجتماع انطلق على الساعة العاشرة صباحاً برئاسة مولاي هشام المهاجري، وبحضور فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، وسط مشاركة برلمانية مكثفة من مكونات الأغلبية والمعارضة، في محطة تتجاوز طابعها التقني لتضع الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة أمام اختبار المساءلة السياسية.

وتكتسي هذه الجلسة أهمية خاصة لأنها تأتي بعد العرض الذي قدمه لقجع أمام مجلسي البرلمان خلال جلسة عمومية مشتركة يوم الجمعة 23 أكتوبر الجاري، طبقاً للفصل 68 من الدستور، قبل أن يقدم المشروع أمام لجنة المالية في اليوم نفسه. وبذلك، لم يعد النقاش منصباً على تقديم الخطوط العريضة للمشروع، بل على تفكيك مضامينه، ومساءلة الحكومة بشأن الأرقام والالتزامات والآليات التي تقترحها لتدبير السنة المالية المقبلة.

لقجع يحدد الفرضيات.. والبرلمانيون أمام امتحان التفاصيل

خلال تقديم المشروع، وضع الوزير مجموعة من الفرضيات التي تشكل أساس الحسابات المالية لسنة 2027، أبرزها تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 3.7 في المائة، ومحصول حبوب في حدود 70 مليون قنطار، ومعدل تضخم يبلغ 1.5 في المائة، مع استهداف حصر عجز الميزانية في 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام. كما استند العرض إلى توقعات نمو الاقتصاد الوطني بنسبة 4.7 في المائة خلال سنة 2026، في سياق دولي يتسم باستمرار التوترات الجيوسياسية وتقلبات الاقتصاد العالمي.

وتطرح هذه الفرضيات أسئلة جوهرية أمام النواب، خصوصاً بشأن مدى ارتباط التوقعات الاقتصادية بالظروف الفعلية للاقتصاد الوطني، ومدى قدرة النمو المرتقب على خلق فرص الشغل وتحسين دخول الأسر، في وقت لا يكفي فيه تسجيل مؤشرات إيجابية على المستوى الماكرو اقتصادي وحده للحكم على الأثر الاجتماعي للسياسات العمومية.

كما أن الرهان على محصول حبوب يبلغ 70 مليون قنطار يجعل تحقيق الفرضيات الفلاحية عاملاً مؤثراً في مسار النمو، بالنظر إلى ارتباط النشاط الفلاحي بالتساقطات المطرية وبعدد من الأنشطة الاقتصادية والخدماتية. وهو ما يجعل النقاش حول متانة التوقعات المالية ومدى قدرتها على الصمود أمام التقلبات أمراً أساسياً في تقييم المشروع.

خمسة التزامات حكومية تحت مجهر الأغلبية والمعارضة

حدد لقجع خمس أولويات رئيسية للمشروع، تتصدرها استعادة القدرة الشرائية وتوطيد أسس الدولة الاجتماعية، ثم إدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق، وتسريع الجهوية المتقدمة والجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وتعزيز السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، وصولاً إلى بناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الطموح الاجتماعي والسيادي مع الحفاظ على التوازنات المالية.

ومن أبرز الأرقام التي تستدعي نقاشاً برلمانياً معمقاً تخصيص 44.2 مليار درهم لورش الحماية الاجتماعية سنة 2027، وتعبئة 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات لتنفيذ الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق فقط بحجم الاعتمادات المعلنة، وإنما بكيفية توزيعها، ومعايير تحديد الأولويات، وآليات التتبع والتقييم، والنتائج التي يفترض أن تصل إلى المواطنين في مختلف الجهات والأقاليم.

وتبرز هنا مسؤولية النواب في الانتقال من النقاش العام إلى مساءلة دقيقة حول الفوارق المجالية، وحصة المناطق القروية من الاستثمار، ونجاعة البرامج الاجتماعية، وقدرة التدابير المعلنة على الاستجابة لمعضلات التشغيل والخدمات الأساسية. فالأرقام، مهما بلغت أهميتها، تظل رهينة بجودة التنفيذ وبمدى وضوح المسؤوليات والآجال والمؤشرات المعتمدة لقياس النتائج.

تجاذبات سياسية بين الدفاع عن الحصيلة والمطالبة بالبدائل

ويأتي الحضور المكثف للبرلمانيين من الأغلبية والمعارضة ليمنح الاجتماع ثقله السياسي، خصوصاً أن مشروع قانون المالية يمثل أول اختبار مالي كبير للحكومة في الولاية التشريعية الجديدة، ويشكل في الوقت نفسه مناسبة للمعارضة لاختبار مدى انسجام الالتزامات الحكومية مع التدابير المضمنة فعلياً في المشروع.

وكان لقجع قد دافع، خلال النقاشات المرتبطة بتقديم المشروع يوم 23 أكتوبر، عن ضرورة تقييم الالتزامات الحكومية استناداً إلى المعطيات والتدابير الفعلية، وانتقد إصدار أحكام مسبقة بشأن الوفاء بالوعود قبل مناقشة تفاصيل المشروع. وقد أضفت هذه المواقف بعداً سياسياً على النقاش، في ظل التباين بين مقاربة حكومية تركز على الأولويات المعلنة والتوازنات المالية، ومقاربة معارضة يفترض أن تختبر مدى كفاية الإجراءات والموارد المرصودة لتحقيق تلك الأولويات.

لكن المعيار الحقيقي لجدية هذا التجاذب هو مضمون المداخلات والبدائل المقدمة، لا مجرد ارتفاع حدة الاختلاف السياسي. فالأغلبية مطالبة بتفسير خيارات الحكومة والدفاع عن قابليتها للتنفيذ، بينما تقع على المعارضة مسؤولية تقديم نقد يستند إلى الأرقام، وتحديد مكامن الخلل، واقتراح بدائل قابلة للنقاش، بما يسمح بتحويل المسطرة التشريعية إلى آلية فعلية لتحسين السياسات العمومية.

من قاعة اللجنة إلى انتظارات المواطن

ومع استمرار الاجتماع منذ صباح اليوم، تتجه الأنظار إلى ما ستكشف عنه مداخلات الفرق والمجموعات النيابية، والأسئلة التي ستوجه إلى الوزير بشأن الموارد والنفقات، والاختيارات الجبائية، والاستثمار العمومي، والقدرة الشرائية، والتشغيل، والعدالة المجالية. وتكتسي هذه المرحلة أهمية إضافية لأنها تتيح للنواب طلب الوثائق والمعطيات التكميلية اللازمة لفهم تفاصيل المشروع ومناقشة مكوناته على أساس أكثر دقة.

وتبقى المفارقة الأساسية التي تحكم مشروع قانون المالية لسنة 2027 هي ضرورة الجمع بين الانضباط المالي وتوسيع الاستثمار الاجتماعي، في ظل انتظارات متزايدة من الدولة لتحسين الخدمات العمومية وخلق فرص الشغل وتقليص الفوارق. فاستهداف عجز في حدود 3 في المائة لا يجيب وحده عن سؤال جودة الإنفاق، كما أن الإعلان عن اعتمادات اجتماعية كبيرة لا يكفي من دون ضمان وصول أثرها إلى الفئات المستهدفة.

وبين دفاع الحكومة عن اختياراتها ومساءلة المعارضة لها، تدخل مناقشة مشروع قانون المالية مرحلة أكثر حساسية، عنوانها الانتقال من الخطوط العريضة إلى التفاصيل، ومن الأهداف المعلنة إلى الالتزامات القابلة للقياس. وفي نهاية المطاف، لن يقاس نجاح هذا النقاش بعدد المداخلات أو بحجم التجاذبات داخل اللجنة، بل بمدى قدرته على إضاءة مكامن القوة والاختلال في المشروع، وتحسين القرار المالي بما يخدم الاقتصاد الوطني ويستجيب لانتظارات المواطنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى