اقتصاد

فاس تُعيد رسم مستقبلها على وقع الأوراش الكبرى.. الطريق المدارية 5006 تقود ثورة التنقل وولاية الجهة ترفع سرعة التأهيل قبل مونديال 2030

تعيش مدينة فاس في الأشهر الأخيرة على وقع تحول عمراني وتنموي عميق، لم يعد يقتصر على فتح أوراش متفرقة هنا وهناك، بل أصبح يعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة بناء المدينة وفق رؤية جديدة تقوم على تحديث البنية التحتية، وتحرير المحاور الطرقية من الاختناق، وتأهيل الفضاء الحضري بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي يشهدها المغرب استعداداً لمونديال 2030، الذي سيُنظم بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

وإذا كانت فاس قد ظلت لسنوات تواجه انتقادات متواصلة بسبب تعقد حركة السير، واهتراء عدد من المحاور الطرقية، والتوسع العمراني غير المتوازن، فإن المشهد الحالي داخل العاصمة العلمية يكشف أن المدينة دخلت مرحلة جديدة عنوانها تسريع الإنجاز وربط المشاريع بالأثر المباشر على حياة المواطنين.

في قلب هذه الدينامية، تبرز الطريق المدارية 5006 كمشروع استراتيجي يعكس حجم التحول الجاري داخل المدينة، ليس فقط لأنها طريق جديدة، بل لأنها مشروع هيكلي سيغيّر فعلياً خريطة التنقل داخل فاس، ويفتح متنفساً حقيقياً لمحاور ظلت لعقود تختنق تحت ضغط الكثافة السكانية والتوسع العمراني المتسارع.

الأشغال التي تتواصل بوتيرة متسارعة تحت الإشراف المباشر لوالي جهة فاس مكناس خالد آيت طالب، ومن تنفيذ شركة فاس الجهة للتهيئة، لم تعد مجرد ورش عادي، بل تحولت إلى نموذج لطريقة جديدة في تدبير المشاريع الكبرى، تقوم على الحضور الميداني، والسرعة في التنفيذ، والتتبع اليومي، واحترام الآجال القانونية المحددة في دفاتر التحملات.

المثير في هذا المشروع أن السلطات اختارت العمل بمنطق تسابق الزمن، حيث تشتغل أربع مقاولات بشكل متزامن داخل الورش، في خطوة تهدف إلى تسريع الإنجاز وضمان تسليم المشروع داخل الآجال المحددة، وهو ما يظهر بوضوح من خلال تقدم أشغال وضع الإسفلت بعدة محاور في وقت قياسي.

المشهد اليوم على الأرض مختلف تماماً؛ آليات ضخمة، فرق تقنية، مهندسون يتابعون التفاصيل الصغيرة، وأشغال لا تتوقف، في رسالة واضحة مفادها أن فاس لم تعد تحتمل مزيداً من التأخير في مشاريع البنية التحتية.

وتكمن الأهمية الكبرى للطريق المدارية 5006 في كونها لن تكون مجرد ممر إضافي للسيارات، بل شرياناً حضرياً جديداً سيعيد توزيع حركة السير داخل المدينة ويخفف الضغط الخانق عن محاور استراتيجية ظلت تشكل نقطة سوداء يومية بالنسبة لآلاف المواطنين.

فشارع الجيش الملكي وشارع محمد السادس ومدارة عين السمن، التي كانت تتحول يومياً إلى بؤر للازدحام والتوتر المروري، مرشحة لاستعادة جزء كبير من انسيابيتها بعد دخول الطريق الجديدة حيز الخدمة، خاصة أن المشروع سيوفر مسالك بديلة وسريعة تربط بين عدد من الأحياء الحيوية والمرافق الكبرى.

كما أن سكان أحياء ذات كثافة سكانية مرتفعة، وفي مقدمتها بنسودة، سيكونون من أكبر المستفيدين من هذا التحول، بعدما ستصبح عملية الوصول إلى مطار فاس سايس و المستشفى الجامعي الحسن الثاني أو المركب الرياضي لفاس أو حتى نحو صفرو وسيدي حرازم أكثر سهولة ومرونة، بعدما كانت الرحلات اليومية تستنزف ساعات طويلة بسبب الاختناق المروري.

الرهان هنا لا يتعلق فقط براحة السائقين، بل أيضاً بتقليص الزمن الحضري المهدور يومياً، وهو أحد أبرز التحديات التي تواجه المدن الكبرى.

ومن بين النقاط المهمة التي ستمنح المشروع بعداً استراتيجياً إضافياً، ارتباطه المباشر بـ الجامعة الأورومتوسطية بفاس، حيث ستساهم الطريق في تخفيف الضغط الكبير الناتج عن حركة تنقل الطلبة والباحثين والأطر الجامعية، خاصة أن المحاور الحالية كانت تعرف ازدحاماً خانقاً خلال فترات الذروة.

كما ينتظر أن يكون للمشروع أثر اقتصادي واضح، بالنظر إلى دوره في تسهيل الوصول إلى سوق الجملة للخضر والفواكه وسوق الماشية وسق السبت الأسبوعي الذي يقصده الالاف من المواطنين، ما سيحسن حركة النقل اللوجستيكي والتجاري ويقلص زمن تنقل الشاحنات والبضائع بين مختلف المحاور.

ويبدو أن شركة فاس الجهة للتهيئة بدأت تفرض نفسها بقوة داخل المشهد التنموي المحلي، بعدما تحولت إلى الفاعل التنفيذي الأساسي لعدد من الأوراش الكبرى، مستفيدة من مقاربة جديدة تعتمد على النجاعة التقنية والسرعة في التنزيل، بعيداً عن التعثرات التي كانت تطبع عدداً من المشاريع في السابق.

فالشركة لا تشتغل فقط على الطرق، بل أصبحت حاضرة في مشاريع تأهيل الشوارع والساحات والحدائق والممرات الحضرية و تأهيل المرافق الرياضية، إلى جانب مشاريع مرتبطة بتنظيم السير والجولان وتحسين جمالية المدينة.

هذا التحول يعكس أيضاً رغبة واضحة لدى سلطات ولاية الجهة في إعادة الاعتبار لفاس كمدينة تاريخية وسياحية وعلمية تحتاج إلى بنية تحتية حديثة تواكب مكانتها ورمزيتها الوطنية.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن يقود والي الجهة خالد آيت طالب زيارات ميدانية متكررة للأوراش منذ انطلاقها، رفقة مسؤولي الولاية والمدير العام للشركة، في مشهد يعكس انتقال تدبير المشاريع من المكاتب المغلقة إلى التتبع المباشر على الأرض.

كما أن فاس اليوم لا تعيش فقط على وقع مشروع واحد، بل على سلسلة واسعة من الأوراش المفتوحة التي تشمل إعادة تأهيل الشوارع الكبرى، وتجديد الأرصفة، وإعادة تهيئة الفضاءات العمومية والحدائق والممرات، إلى جانب الاشتغال على معالجة النقاط السوداء المرورية التي ظلت تؤرق الساكنة لسنوات طويلة.

الهدف لم يعد فقط إصلاح ما هو متآكل، بل بناء مدينة أكثر قدرة على التنفس والحركة والجاذبية الاقتصادية والسياحية.

ومع اقتراب المغرب من استحقاق مونديال 2030، تبدو فاس مطالبة اليوم بأن تكون في مستوى التحولات الكبرى التي تعرفها المدن المغربية، خاصة أنها واحدة من المدن التاريخية التي تمتلك مؤهلات ثقافية وسياحية واقتصادية مهمة، لكنها ظلت لسنوات بحاجة إلى دفعة قوية على مستوى التأهيل الحضري.

واليوم، ومع تسارع الأوراش، بدأت معالم هذه الدفعة تظهر تدريجياً على الأرض.

فاس لا تُرمم فقط… بل تعيد صياغة نفسها.

مدينة تحاول أن تتحرر من اختناق الماضي، وتستعد لمرحلة جديدة عنوانها البنية التحتية الحديثة، والتنقل الذكي، والفضاءات المؤهلة، في أفق استعادة مكانتها كواحدة من أهم الحواضر المغربية القادرة على مواكبة التحولات الوطنية الكبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى