حكومة المنصوري تدخل مرحلة الحسم.. اليوم تبدأ مفاوضات الأغلبية والحقائب ورئاسة مجلس النواب

ينتظر أن تدخل مشاورات تشكيل الحكومة المغربية الجديدة، اليوم الاثنين 5 أكتوبر 2026، مرحلة أكثر حساسية، مع انتقال رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري من جولة الاتصالات الأولية مع الأحزاب السياسية إلى مرحلة التفاوض حول هندسة الأغلبية الحكومية، وترتيب الأولويات، وتوزيع المسؤوليات والحقائب الوزارية، في مسار سيكون أكثر تعقيداً من مجرد معرفة الأحزاب التي ستشارك في الحكومة.
وتأتي هذه المرحلة بعد أن أنهت المنصوري جولتها الأولى من المشاورات مع غالبية الأحزاب الممثلة في مجلس النواب، حيث فتحت قنوات الحوار مع مختلف المكونات السياسية، قبل أن تحسم المجالس الوطنية للأحزاب الكبرى مواقفها وتفوض قياداتها لمواصلة التفاوض بشأن المرحلة المقبلة. وتشير معطيات منشورة الأحد إلى أن نقاش الهندسة الحكومية ينتقل ابتداء من اليوم إلى مستوى أكثر تفصيلاً، بما يشمل عدد القطاعات الوزارية واختصاصاتها، والوزارات المنتدبة وكتابات الدولة، فضلاً عن توزيع المسؤوليات داخل الأغلبية.
ويأتي ذلك في أعقاب قرار المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي فوّض بالإجماع فاطمة الزهراء المنصوري مواصلة المشاورات والحسم في التحالفات السياسية، إلى جانب لجنة تضم عبد اللطيف وهبي وفوزي لقجع وأحمد أخشيشن، وهو تفويض يمنح رئيسة الحكومة المعينة هامشاً واسعاً في إدارة المفاوضات واختيار الصيغة التي ستتشكل على أساسها الأغلبية المقبلة.
وفي الجهة المقابلة، حسم حزب التجمع الوطني للأحرار موقفه السياسي بإبداء الاستعداد للمشاركة في الحكومة المقبلة وتحمل المسؤولية، مع تفويض رئيس الحزب محمد شوكي تدبير المشاورات المرتبطة بالمشاركة. أما حزب الاستقلال، فقد وضع بدوره مشاركته المحتملة أمام مؤسساته التقريرية، قبل أن يدخل مرحلة جديدة من التفاوض حول موقعه في الأغلبية وشروط حضوره داخل الحكومة.
وتكشف هذه التطورات أن الحسابات الرقمية ستكون حاضرة بقوة في المفاوضات، فحزب الأصالة والمعاصرة تصدر الانتخابات بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً. وإذا اجتمعت هذه الأحزاب الثلاثة في أغلبية واحدة، فإنها ستتوفر على 228 مقعداً، أي أغلبية مريحة داخل مجلس النواب، وهو ما يمنح المنصوري قاعدة سياسية قوية لتشكيل الحكومة وتمرير برنامجها، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام مفاوضات دقيقة حول حجم تمثيل كل حزب وموقعه داخل السلطة التنفيذية.
غير أن المعادلة السياسية لا تتوقف عند جمع المقاعد، إذ بدأت رئاسة مجلس النواب تظهر بدورها كواحدة من النقاط المهمة في مشاورات المرحلة الجديدة، بالنظر إلى وزن هذا المنصب في تدبير العلاقة بين الأغلبية والمعارضة وفي قيادة المؤسسة التشريعية. وبالتالي فإن التفاوض المقبل قد يشمل، إلى جانب الحقائب الوزارية، مجموعة من المواقع والمسؤوليات التي ترتبط بهندسة الأغلبية وموازين القوى داخل البرلمان.
وتزداد أهمية هذه النقطة بالنظر إلى أن الأغلبية الجديدة مطالبة ليس فقط بتوفير العدد الكافي من النواب، وإنما ببناء انسجام سياسي قادر على تحمل مسؤولية مرحلة مختلفة. فالحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام ملفات اجتماعية واقتصادية ثقيلة، في مقدمتها التشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والسكن، والاستثمار، وتقليص الفوارق المجالية، إلى جانب مواصلة الأوراش الوطنية الكبرى والاستعداد للاستحقاقات المرتبطة بمكانة المغرب الدولية وتنظيم كأس العالم 2030.
كما أن الأحزاب التي ستدخل الحكومة ستكون مطالبة بتحويل مواقفها الانتخابية إلى التزامات واضحة داخل البرنامج الحكومي، خصوصاً أن المرحلة الجديدة لن تسمح بهامش كبير من الانتظار أمام ارتفاع سقف انتظارات المواطنين، وتزايد الحاجة إلى نتائج ملموسة في الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
أما حزب العدالة والتنمية، فيظل خارج الحسابات الحكومية الحالية، بعدما غاب عن الجولة الأولى من المشاورات، فيما أكدت المنصوري أن التواصل شمل مختلف الأحزاب الممثلة في البرلمان وأن لكل تنظيم حرية اختيار المشاركة أو عدم المشاركة. وكان عبد الإله بنكيران قد أعلن أن مشاركة حزبه في حكومة تقودها الأصالة والمعاصرة لا تنسجم مع المنطق السياسي الذي يتبناه، وهو ما يجعل موقع الحزب في المعارضة من أبرز ملامح المشهد البرلماني المقبل.
وبذلك، فإن يوم الاثنين 5 أكتوبر لا يبدو مجرد موعد جديد في أجندة المشاورات، وإنما بداية مرحلة تفاوض حقيقية حول شكل الحكومة المقبلة. فالمنصوري تمتلك الآن تفويضاً حزبياً واضحاً، والأحزاب الكبرى حسمت جزءاً مهماً من مواقفها، والحسابات العددية أصبحت معروفة، فيما انتقل النقاش إلى مستوى أكثر دقة يتعلق بمن سيشارك، وبأي وزن، وبأي حقائب، وبأي برنامج، وبأي توازنات داخل الأغلبية والبرلمان.
والتحدي الأكبر أمام رئيسة الحكومة المعينة سيكون في القدرة على تحويل هذه الأرقام والتفويضات والمواقف المتباينة إلى تحالف سياسي متماسك، لأن نجاح الحكومة المقبلة لن يقاس بعدد الوزراء أو حجم كل حزب داخلها، وإنما بقدرتها على إنتاج أغلبية منسجمة وحكومة سياسية قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذ الالتزامات والاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة.
لقد انتهت تقريباً مرحلة جس النبض، وبدأت مرحلة الحسابات الدقيقة. ومن اليوم، ستكون طاولة المنصوري أمام اختبار أصعب: بناء حكومة لا تكتفي بامتلاك الأغلبية داخل البرلمان، وإنما تمتلك أيضاً القدرة السياسية والتنفيذية على تحمل مسؤولية المرحلة المقبلة.






