حزب الاستقلال يُهاجم وزارة التعمير ويتهمها بتخريب التراث: مواجهة ساخنة تحت قبة البرلمان

شهد مجلس المستشارين، خلال جلسة أمس الثلاثاء، مواجهة حادة بين الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، على خلفية ملف “المباني الآيلة للسقوط” الذي يتخذ أبعادًا عمرانية وثقافية واجتماعية شائكة.
الفريق الاستقلالي لم يُخفِ غضبه من ما اعتبره “فشلًا حكوميًا ممنهجًا” في حماية الإرث المعماري المغربي، موجهًا سهام انتقاده بشكل مباشر إلى كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بن إبراهيم، خلال مناقشة قضايا التعمير.
وقال أحد أعضاء الفريق، بنبرة حادة: “إلى متى سنظل نُراقب بصمت تآكل معالمنا التاريخية؟ كيف نعترف بوجود خطر ثم نتراجع إلى الخلف وكأن الأمر لا يعنينا؟”، مبرزًا أن هذا التهاون يُعد ضربًا مباشرًا لهوية المدن المغربية، خاصة تلك التي تضم نسيجًا معماريًا عتيقًا يمثل جزءًا أصيلًا من الشخصية الوطنية.
وفي هذا السياق، اعتبر المتحدث باسم الفريق الاستقلالي أن الحكومة تُقصّر في أداء واجبها الدستوري تجاه حماية التراث، مشيرًا إلى تعقيدات تشريعية، وغياب الدعم العملي، فضلاً عن استمرار البيروقراطية وارتفاع تكلفة الترميم، ما يجعل جل الملاك عاجزين عن ترميم ممتلكاتهم.
ولم يُغفل الفريق الإشارة إلى المظاهر الجمالية والفنية للمباني المتداعية، والتي تزخر بزخارف الزليج التقليدي، والنقوش الجبسية، والأخشاب المنحوتة، واصفًا هذه المعالم بـ”روح المدن” التي تنهار بصمت.
في المقابل، سارع كاتب الدولة إلى الرد، موضحًا أن القانون 94-12 كان نقطة تحوّل في مقاربة الدولة لهذا الملف، إذ حمّل الملاك المسؤولية عن صيانة المباني، لكنه أقر بأن “هذا القانون رغم وجاهته، يواجه عراقيل ميدانية حقيقية، أبرزها ضعف القدرة المالية لدى الساكنة، وتعقيد إجراءات الإخلاء، وغياب آليات تمويل فعّالة”.
وكشف المسؤول الحكومي عن أرقام دقيقة، موضحًا أن ما قبل القانون تمت معالجة 98 موقعًا تحتوي على 43 ألف مبنى، بينما بعد القانون تبقى 72 ألف بناية مهددة من أصل 140 ألف مبنى جرى إحصاؤها، مما يعكس حجم التحدي.
وأكد بن إبراهيم أن الوزارة تدعو إلى مراجعة شاملة للقانون، تأخذ بعين الاعتبار ضرورة إشراك الجماعات الترابية، وتوسيع نطاق التمويل والدعم، وتسهيل الإجراءات الإدارية والتقنية أمام المواطنين.
صراع سياسي أم اختلاف في الرؤية؟
يرى متابعون أن هذا التوتر ليس فقط انعكاسًا لتباين في الرؤى حول آليات التدخل في ملف شائك، بل يعكس أيضًا تصعيدًا سياسياً متزايداً بين حزب الاستقلال وبعض مكونات الأغلبية الحكومية، في ظل حساسية المرحلة، وتزايد الضغوط الاجتماعية والمجتمعية بشأن واقع المدن العتيقة، خاصة بعد حوادث انهيار مؤلمة عرفتها عدة أحياء تاريخية بالمملكة.
وبين المطالب النيابية بتدخل عاجل، ودفاع الوزارة عن “إكراهات الواقع”، يبقى التراث المعماري المغربي هو الخاسر الأكبر في انتظار أن تتحول هذه النقاشات إلى حلول ملموسة على الأرض.






