تقرير أممي:المخدرات تُطارد القاصرين بالمغرب: أدوية مهدئة وكوكايين في متناول اليافعين وغياب تشخيص نفسي يفاقم الخطر

كشفت معطيات دولية حديثة عن مؤشرات صادمة بخصوص توسع ظاهرة تعاطي المخدرات في أوساط الشباب والقاصرين بالمغرب، وسط تصاعد لنشاط شبكات الاتجار غير المشروع، وتزايد النفاذ إلى المواد المهدئة والأدوية الصيدلانية خارج الوصفات الطبية، مما يُنذر بتحديات صحية واجتماعية حادة في السنوات المقبلة.
ففي تقريره العالمي حول المخدرات والجريمة لعام 2025، الصادر نهاية يونيو عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات في فيينا، سلّط الضوء على توسع مقلق في تعاطي المواد المخدرة وسط الأطفال واليافعين المغاربة، حيث سُجلت أعلى نسبة زيادة في استهلاك الأدوية المهدئة خارج الأطر الطبية، بارتفاع تجاوز 10% لدى الفئة العمرية أقل من 18 سنة.
وتربط الوثيقة هذا الارتفاع بسهولة الولوج إلى الأدوية، إلى جانب الانتشار الصامت للاضطرابات النفسية غير المشخّصة، ما يحول هذه الفئة الهشة إلى ضحية مثالية لشبكات الترويج، سواء عبر الأسواق العشوائية أو القنوات الرقمية.
التقرير الأممي رصد كذلك ارتفاعًا طفيفًا في تعاطي الكوكايين لدى القاصرين، مقابل ارتفاع مقلق لتعاطي الهيروين بنسبة تتراوح بين 5% و10%، وهو ما يُعبّر عن تحوّل تدريجي من المخدرات “الخفيفة” إلى أخرى أشد خطورة وتأثيرًا على الصحة الجسدية والعقلية.
في المقابل، أظهرت الأرقام أن استهلاك القنب الهندي (الكيف) ظل مستقرًا نسبيًا لدى البالغين، مع تسجيل تراجع طفيف لدى القاصرين، لكن الخبراء اعتبروا هذا التراجع نسبيًا ولا يعكس تحسّنًا فعليًا بقدر ما يُشير إلى تحول في الأنماط نحو مواد بديلة أشد فتكًا وسهولة في الترويج.
جانب آخر مثير في التقرير هو ما يتعلق بالعلاج من الإدمان في المغرب، حيث بيّنت المعطيات أن الترامادول، وهو من الأدوية المسكنة القوية ذات التأثير المخدر، شكل ما نسبته 10% من الحالات التي خضعت للعلاج بمراكز الإدمان سنة 2021، مع نسبة إناث مرتفعة بشكل لافت (17%) مقابل 9% للذكور.
هذه الأرقام تضع المغرب ضمن قائمة الدول الإفريقية التي تسجل معدلات مرتفعة لتأنيث تعاطي الترامادول، وهو ما يدق ناقوس الخطر بشأن الفجوة النفسية والاجتماعية التي تُعاني منها النساء، خاصة في الفئات الشابة.
التقرير لم يغفل التحديات العابرة للحدود، حيث أشار إلى أن سوق الكوكايين العالمي سجل أرقامًا قياسية سنة 2023، سواء من حيث الإنتاج (زيادة بـ34%) أو من حيث المضبوطات التي بلغت 2200 طن، مع توسع كبير في اتجاه إفريقيا وآسيا.
ووفق التقرير، فقد ارتفعت نسبة المضبوطات في القارة الإفريقية بـ85% خلال عام واحد، وهو ما يؤكد أن القارة السمراء، ومن ضمنها المغرب، أصبحت وجهة مفضلة لشبكات الجريمة المنظمة، التي تستغل هشاشة الأنظمة الصحية والاجتماعية، وضعف الرقابة الحدودية، لتوسيع نشاطها.
وفق تحليل الخبراء الأمميين، فإن الاضطرابات النفسية، الأزمات الاقتصادية، وعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، كلها عوامل ساهمت في خلق مناخ خصب لتوسع تعاطي المخدرات، خاصة في أوساط الشباب، والنساء، والنازحين، واللاجئين، والفئات المتأثرة بالنزاعات.
وقدر التقرير عدد المتعاطين للمخدرات حول العالم بـ316 مليون شخص سنة 2023، ما يُعادل 6% من سكان العالم في الفئة العمرية 15-64 سنة، مع تزايد متسارع في نسب التعاطي داخل المجتمعات الهشة، والتي يُعد المغرب جزءًا منها بفعل مؤشرات البطالة والهدر المدرسي والاضطرابات النفسية التي لا تجد علاجًا.
وفي فصل آخر من التقرير، نبّه مكتب الأمم المتحدة إلى أن تجارة وزراعة المواد المخدرة تُسبب أضرارًا بيئية مدمرة، تشمل إزالة الغابات، وتلويث المياه والتربة، خصوصًا في دول الإنتاج والتحويل، حيث لا تزال هذه الأضرار مُهمّشة في سياسات المكافحة، رغم تصاعد تكلفتها في أوروبا وأمريكا.
وأطلقت المديرة التنفيذية لمكتب الأمم المتحدة، غادة والي، في تقديمها للتقرير، دعوة عاجلة إلى تنسيق عالمي متعدد الأبعاد، يجمع بين الوقاية، والعلاج، والتكنولوجيا، والتعاون الاستخباراتي، لتفكيك شبكات التهريب، ومواجهة الأزمة من جذورها، قبل أن تتحول إلى طوفان لا يمكن احتواؤه.
البيانات الأممية تضع المغرب أمام تحدٍ صريح يهم مستقبل أجياله الشابة، في ظل تغلغل غير مسبوق لثقافة المخدرات “الناعمة” منها والقاتلة، واستهداف ممنهج للفئات القاصرة والإناث. وإذا كانت الأرقام الدولية تدق ناقوس الخطر، فإن المعركة لم تعد فقط قانونية أو أمنية، بل نفسية، صحية، تربوية، واجتماعية، تتطلب إرادة وطنية شاملة، لاجتثاث الورم قبل أن يتحول إلى مرض مزمن.






