قضايا

بصمة القضاء المالي بفاس: “المصادرة” تتحول إلى سلاح فتاك ضد رؤوس الفساد وتجفيف منابع الثراء غير المشروع

دخل القضاء المالي بمدينة فاس عهداً جديداً من الصرامة، متجاوزاً منطق العقوبات السجنية التقليدية نحو استراتيجية “الإعدام المالي” للشبكات المورطة في نهب المال العام. ومن خلال تفعيل مساطر مصادرة الممتلكات العقارية والمنقولة، باتت محاكم فاس توجه ضربات قاصمة لـ”رؤوس الفساد”؛ وهي رسالة سيادية صريحة تؤكد أن زمن “الإفلات بالثروة” قد انتهى، وأن ممتلكات المسؤولين أصبحت تحت مجهر “من أين لك هذا؟”.

سقوط “قلاع” مولاي يعقوب.. المصادرة كأداة للتحرير الإداري

في قلب هذا الزلزال القضائي، يبرز ملف إقليم مولاي يعقوب كنموذج لتفكيك “الإقطاعيات الانتخابية”. فقد شكل الحكم القاضي بمصادرة كافة ممتلكات جواد دواحي، رئيس المجلس الإقليمي لمولاي يعقوب، صدمة في الوسط السياسي؛ إذ لم تكتفِ المحكمة بإدانته في شق غسل الأموال، بل جردته من أصوله العقارية وحساباته البنكية المكتسبة منذ عام 2007. هذا التوجه طال أيضاً محمد العايدي، البرلماني السابق والاسم الثقيل في المنطقة، الذي وجد نفسه أمام تجريد قانوني من ثروة هائلة راكمها لعقود. التحليل هنا يكشف عن إرادة قضائية لـ”تطهير” الإقليم من الوجوه التي ربطت نفوذها السياسي بتراكم الأصول غير المشروعة، مما يعيد رسم الخارطة السياسية بالمنطقة على أسس نظيفة.

ملف “ابن باجة” وفساد القطاع العام.. حين تطال المصادرة “أثرياء الأزمات”

لم تتوقف الحركية القضائية عند أسوار المجالس المنتخبة، بل امتدت لتطال النخب المهنية المورطة في تبديد المرفق العام. ففي ملف “أطباء مستشفى ابن باجة” بتازة، أصدر القضاء قرارات بمصادرة أرصدة ومعدات تعود لأطباء ومدير مستشفى، حوّلوا مقدرات الدولة إلى استثمارات خاصة في مصحاتهم. يمثل هذا الحكم عمقاً تحليلياً يتمثل في “الردع النوعي”؛ فالقضاء هنا لا يعاقب على الرشوة فحسب، بل يسترد القيمة المادية للضرر الذي لحق بالقطاع الصحي، محولاً الأصول الناتجة عن “سمسرة الأوجاع” إلى ملكية عامة، وهو ما يكرس مبدأ أن الاستثمار في الفساد هو “استثمار خاسر” بالضرورة.

تفكيك شبكات “الظل”.. المصادرة في مواجهة تضخم الثروة

امتدت يد العدالة لتشمل “رؤوساً” في جماعات قروية نائية وأجهزة حساسة، مثل رئيس جماعة أولاد زباير بإقليم تازة، وعناصر من القوات المساعدة. تكمن قوة هذه الأحكام في ملاحقة “الثروات الصامتة”؛ أي العقارات والمنقولات التي تسجل غالباً بأسماء رمزية أو تُكتسب بعيداً عن الأضواء. إن إخضاع هؤلاء الموظفين والمنتخبين لمسطرة المصادرة الكلية للمحجوزات، يبرز يقظة “الفرقة الجهوية للشرطة القضائية” بفاس في تتبع “المسارات المالية المعقدة”، ويؤكد أن القضاء المالي المغربي أصبح يمتلك الأسلحة التقنية والقانونية (المادة 574-1 من القانون الجنائي) لاختراق جدار السرية الذي يحيط بعمليات غسل الأموال.

المصادرة كعقيدة قضائية.. نحو “إفلاس” منظومة الفساد

إن استمرار هذه الأحكام وتعميمها ضد كل من ثبت تورطه في نهب المال العام يعد ضرورة استراتيجية لحماية استقرار الدولة. فالعقوبة السجنية قد تُختصر بـ”حسن السلوك” أو العفو، لكن المصادرة هي الحكم الفعال والدائم الذي يضمن عدم عودة الفاسد لممارسة نفوذه بـ”أمواله المهربة” بعد خروجه من السجن. إن ما يحدث في فاس هو “ثورة هادئة” تحول القضاء من مجرد “حكم” بين الأطراف إلى “حارس” للمال العام، وهي الضمانة الوحيدة لتحويل شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة” من استهلاك إعلامي إلى واقع ملموس يعيد الثقة للمواطن في مؤسسات بلاده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى