قضايا

القفة الانتخابية في رمضان: استغلال التضامن الاجتماعي للمكاسب السياسية

مع انطلاق العشر الأواخر من شهر رمضان، تعود ظاهرة توزيع “القفة الانتخابية” لتستفز الرأي العام، بعد أن باتت تستخدم أحيانًا من قبل بعض المنتخبين لتحقيق مكاسب سياسية. هذه المبادرة التي يفترض أن تكون وسيلة لدعم الأسر الهشة خلال الشهر الفضيل، تحولت في عدد من المدن إلى أداة لتجنيد الأصوات واستمالة الناخبين، ما يثير تساؤلات حول أخلاقيات العمل السياسي والتزام المسؤولين بالممارسات القانونية.

شهر رمضان يعتبر عند المغاربة فترة للتقوى، والتكافل الاجتماعي، وتقديم الدعم للفئات المحتاجة. إخراج زكاة الفطر، والمبادرات الخيرية، هي ممارسات اجتماعية راسخة تهدف إلى دعم المحتاجين وتقوية أواصر التضامن. لكن للأسف، فإن استغلال هذه المبادرات لتحقيق أهداف سياسية يقلل من قيمتها الروحية والاجتماعية.

تظهر التحقيقات الإدارية أن بعض المنتخبين يستغلون شهر رمضان لتوزيع مساعدات غذائية باسمهم، مستخدمين جمعيات محلية موالية لهم، أو ممتلكاتهم الخاصة، مثل صالات رياضية أو مخازن، لتخزين القفف قبل توزيعها على دوائرهم الانتخابية. وتوثق التقارير حالات تورط زوجات بعض المنتخبين في إدارة هذه العمليات، أو اللجوء إلى وسائل خفية لإخفاء مشاركة المنتخب المباشرة، ما يعكس استراتيجية متقنة لاستغلال الشهر الفضيل لتحقيق أهداف انتخابية.

هذه الممارسات تشكل خرقًا واضحًا للقوانين الانتخابية والضوابط الإدارية، خاصة عند توظيف أموال عمومية أو استغلال النفوذ لتحقيق مكاسب سياسية. وقد رصدت التقارير محاولات إدراج هذه المساعدات ضمن ميزانيات الجماعات بطريقة غامضة، مع تعديل تسمية البنود لتجنب رقابة السلطات، ما يؤكد ضرورة تفعيل المتابعة القانونية الصارمة لكل من تورط في هذه الانتهاكات، بما يشمل منعهم من الترشح إذا ثبت سوء استعمال النفوذ أو الموارد.

في هذا السياق، يجب على السلطات الإدارية والقضائية مواصلة مراقبة عمليات توزيع القفف، والتأكد من التزام المنتخبين بالضوابط القانونية. كما يقع على المجتمع المدني ووسائل الإعلام دور محوري في كشف هذه الانتهاكات وتوعية المواطنين بخطورة استغلال الشهر الفضيل لتحقيق أهداف انتخابية ضيقة.

يبقى السؤال مطروحًا: هل ستنجح الأجهزة المختصة في وقف هذه الممارسات المشينة، وإعادة رمضان إلى مكانته الحقيقية كفضاء للتكافل والتراحم الاجتماعي، بعيدًا عن التجاذبات السياسية؟ أم ستظل القفة أداة استغلال انتخابي، تمس بمصداقية العملية الديمقراطية وثقة المواطنين في المنتخبين؟

هذا الواقع يحتم يقظة مستمرة، ومتابعة دقيقة، لضمان أن تظل المبادرات الخيرية والرمضانية نابعة من روح التضامن والتكافل، لا من منطق استغلال النفوذ والمصالح السياسية الضيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى