الصحة العمومية في المغرب: بين الأزمة الهيكلية وفخ “الهرولة الاستعراضية” للوزير التهراوي

مقال تحليلي: عبدالله مشواحي الريفي
تعيش المستشفيات العمومية في المغرب أزمة تتجاوز مرحلة التدهور لتصل إلى نقطة الانهيار، مهددة الأمن الصحي للمواطن المغربي ومفجرة لغضب شعبي يزداد احتقانًا. تتجسد بوضوح في نقص كارثي في الأطر الطبية والتمريضية، اكتظاظ مزمن ومهين في أقسام المستعجلات والأسرّة، اهتراء مزري للبنية التحتية، وعجز صارخ في توفير التجهيزات الحيوية والأدوية الأساسية.
في مقابل هذا الواقع المتردي، يختار المسؤول الأول عن القطاع، وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي، مقاربة أقرب إلى “الاستعراض المسرحي” منها إلى الإصلاح الجدي. فـ”الهرولة” المستمرة بين المستشفيات، تحت وطأة ضغط الإعلام والتوتر الاجتماعي، ليست سوى محاولة يائسة لـتغطية العجز الاستراتيجي برداء النشاط الزائف. هذه الزيارات الإعلامية، التي تحولت إلى مادة للسخرية والانتقاد،و خزان لأعداء الوطن للترويج للمغالطات، لا تعالج الجرح العميق للقطاع، بل تكتفي بتصوير “جدران ” أو “ممرات”، وكأن حل أزمة مزمنة تكمن في تحسين الديكور بدل إصلاح الجوهر.
إن أسلوب “الزيارات الخاطفة” يمثل قمة فشل الرؤية القيادية. فالوزير، بدلاً من أن يتبنى استراتيجية جريئة وقابلة للتنفيذ على المدى المتوسط والطويل، يهرول لمواجهة ردود الأفعال اللحظية. هذا السلوك يعكس قناعة سطحية بأن “الصورة” أهم من “الجوهر”،فلا معنى لزيارات خاطفة دون حكامة جيدة و دون توفير كل وسائل العمل.
1. الإضرار الفاضح بالصورة المؤسساتية: المشاهد المتداولة لاعتراض المرضى للوزير، وملاحقته بالشكاوى والغضب في الأقسام وحتى عند سيارته، تمثل إدانة صريحة لجهود الوزارة. هذه الحوادث لا تظهر فقط مدى بؤس المواطن، بل تقدم صورة سلبية للغاية عن كفاءة الحكومة في تلبية أبسط حقوق مواطنيها. الأسوأ من ذلك، أنها توفر مادة إعلامية مجانية لخصوم الدولة والجهات الخارجية التي تسعى لتشويه صورة المغرب، مستغلة عجز الوزارة عن إدارة أزمة هيكلية عمرها سنوات. الزيارات الإعلامية التي كان يُفترض بها أن تكون “جسراً للثقة” تحولت إلى بؤرة لانفجار الغضب وكشفت الغطاء عن هشاشة القطاع.
2. خيانة مهنية للموارد البشرية: الطواقم الطبية والتمريضية، التي تعتبر العمود الفقري للمنظومة، تشعر بأنها ضحية لقصور مزدوج: نقص حاد في الأعداد، وإهمال متعمد من الإدارة المركزية. هم يعملون في ظروف عمل قاسية، تحت ضغط نفسي وجسدي لا يطاق، وفي مواجهة مباشرة مع غضب المواطنين،و تهديد مباشر من قبل مسؤولي الوزارة. الزيارات “الاستعراضية” تزيد من استياء هذه الأطر، حيث يرون فيها تضييعًا للوقت وهروبًا من توفير الحلول الحقيقية، المتمثلة في التوظيف العاجل، تحسين الأجور، وتوفير معدات الحماية والعمل الأساسية. و خلق لجان مركزية وجهوية لتطبيق القانون ،وإن استمرار هذا النقص ينذر بـهجرة كفاءات أشد خطورة مما هي عليه الآن.
إن إصلاح القطاع الصحي ليس “مشروع تجميل” بل ثورة هيكلية تتطلب قرارات موجعة وميزانيات ضخمة وحوكمة صارمة. المراقبون والخبراء يجمعون على أن أزمة المستشفيات تتطلب أربع ركائز أساسية للإصلاح، لا مكان فيها لـ”الشو الإعلامي”:
1. إنهاء الأزمة الديموغرافية (الموارد البشرية): يجب الإقرار بأن المغرب يعاني من عجز لا يقل عن 32,000 طبيب و 65,000 ممرض، حسب التقديرات الرسمية وغير الرسمية. الحل يبدأ بـتوظيفات فورية ومكثفة للأطر الطبية المتاحة، وفتح مسالك جديدة للتكوين السريع والمؤهل، مع توفير حوافز مالية وبنيوية لجذب الكفاءات، خصوصاً للمناطق النائية. أي إصلاح للبنية التحتية دون “الروح البشرية” هو هياكل خاوية.
2. تأهيل البنية التحتية والتجهيزات الأساسية: المستشفيات تحتاج إلى أكثر من طلاء جديد؛ إنها تحتاج إلى تجهيزات حيوية كالرنين المغناطيسي والسكانير، وأقسام تحاليل طبية مكتملة. يجب تخصيص ميزانيات ضخمة لتوسعة أقسام المستعجلات التي هي “قلب الأزمة” وواجهتها، لإنهاء ظاهرة الاكتظاظ التي تحول الانتظار إلى معاناة مضاعفة ومهينة.
3. أزمة الإمدادات (الدواء والمستلزمات): من غير المقبول أن يضطر المواطن المريض إلى شراء الأدوية الأساسية أو المواد البيوطبية الضرورية من جيبه، بل وحتى مستلزمات بسيطة كالحقن أو الخيوط الجراحية. يجب أن تُعتبر توفير الإمدادات في جميع الأقسام أولوية قصوى ومؤشراً للنزاهة المؤسساتية.
4. الحوكمة والمساءلة: يجب تطبيق مبدأ “المساءلة المباشرة” على كل مستويات التدبير، من المديريات المركزية إلى مديري المستشفيات. يجب وضع نظام حوكمة يضمن أن الميزانيات المخصصة للإصلاح تصل إلى الهدف المنشود، بعيداً عن الفساد وسوء التدبير الذي يلتهم الموارد المحدودة.
إن استمرار الوزير في مقاربة “الهرولة الاستعراضية” هو دليل على ضعف استراتيجي وتجاهل متعمد للحلول البنيوية. الصحة العمومية المغربية بحاجة ماسة إلى قيادة شجاعة وحلول ملموسة وواقعية، لا إلى صور أو فيديوهات تهدف إلى تلميع صورة شخصية على حساب معاناة شعب بأكمله. المواطنون ليسوا في حاجة إلى “عرض مسرحي”؛ إنهم يستحقون حقهم الدستوري في الرعاية الصحية، والذي يبدأ بتوفير طبيب مختص وسرير مريح ودواء فعال، بعيداً عن الخطابات الفارغة والزيارات العقيمة التي لم تعد تقنع أحداً. متى سيدرك المسؤولون أن كرامة الوطن تبدأ من كرامة المواطن في المستشفى؟






