“البرلمان يفتتح دورته الربيعية الأخيرة… ولاية مثقلة بالجدل و‘الفراقشية’ كمرآة لاختلالات الأداء السياسي رغم الرسالة الملكية الداعية لتخليق الحياة السياسية”

يفتتح البرلمان المغربي اليوم الجمعة (10 أبريل 2026)، من شهر أبريل 2026 دورته الربيعية الأخيرة من عمر الولاية التشريعية الحالية، في محطة سياسية مفصلية تُنهي مسار خمس سنوات كاملة انطلقت مع انتخابات شتنبر 2021، وسط حصيلة مثقلة بالتجاذبات، ونقاش عمومي متصاعد حول أداء الفاعلين السياسيين، وحدود نجاعة العمل الحزبي داخل المؤسسة التشريعية.
وتأتي هذه الدورة وفقًا للمقتضيات الدستورية التي تنص على افتتاح الدورات البرلمانية العادية في الجمعة الثانية من شهر أبريل، في غياب ترؤس مباشر من طرف جلالة الملك، مع ترقب توجيه رسالة ملكية سامية إلى نواب الأمة، كما جرت العادة في محطات مفصلية، لتأطير الأولويات الكبرى وتوجيه النقاش التشريعي في هذه المرحلة الختامية من الولاية.
ولاية تشريعية تحت ضغط التقييم الصارم
هذه الولاية التشريعية، التي امتدت من 2021 إلى 2026، تبدو اليوم أمام امتحان حقيقي للتقييم، ليس فقط من زاوية الأرقام التشريعية أو عدد القوانين المصادق عليها، ولكن من زاوية الأداء السياسي العام للأحزاب، وقدرتها على الارتقاء بالفعل البرلماني إلى مستوى الانتظارات الاجتماعية التي رفعتها الخطابات الرسمية، وفي مقدمتها الرسالة الملكية التي شددت على تخليق الحياة السياسية وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي الجاد والمسؤول.
غير أن واقع الممارسة السياسية داخل البرلمان كشف، خلال هذه السنوات، عن مفارقة صارخة بين الخطاب السياسي المعلن وبين الممارسة الفعلية، حيث ظل جزء كبير من الفاعلين الحزبيين أسير منطق التموقعات الضيقة، والحسابات الانتخابية، بدل الانخراط في نقاش عمومي منتج ومسؤول.
الحكومة بين خطاب الإصلاح وحدود الفعل السياسي
على مستوى العمل الحكومي، رُفعت شعارات كبرى تتعلق ببناء الدولة الاجتماعية، وإصلاح التعليم والصحة، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، غير أن تنزيل هذه الأوراش ظل يواجه انتقادات متواصلة داخل البرلمان وخارجه، خاصة فيما يتعلق بوتيرة التنفيذ وملامسة أثر السياسات العمومية لحياة المواطنين.
وفي المقابل، لم ينجح الفاعل الحزبي، سواء في الأغلبية أو المعارضة، في الارتقاء إلى مستوى النقاش العمومي المطلوب، حيث طغى الخطاب السياسي المتوتر على النقاش المؤسساتي الرصين، وتحول في كثير من الأحيان إلى سجال استعراضي أكثر منه نقاشًا إنتاجيًا للبدائل.
“الفراقشية” كمصطلح يكشف عمق الأزمة السياسية
في خضم هذا المناخ السياسي المشحون، برز مصطلح “الفراقشية” كأحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل خلال هذه الولاية، حيث لم يعد مجرد تعبير عابر، بل تحول إلى توصيف سياسي واجتماعي لواقع اختلالات مرتبطة ببعض الممارسات الاقتصادية والسياسية التي رافقت تدبير عدد من الملفات الحساسة.
لكن الأهم من المصطلح في حد ذاته، هو ما يعكسه من عمق الأزمة داخل الفعل السياسي، حيث أصبح الخطاب العمومي مضطرًا إلى ابتكار مفاهيم جديدة لوصف مظاهر الاحتكار، والوساطة غير المشروعة، والاختلال في توزيع الفرص الاقتصادية، في ظل غياب أدوات سياسية فعالة قادرة على المعالجة الجذرية بدل الاكتفاء بالوصف.
رسالة ملكية واضحة… واستجابة حزبية ضعيفة
خلال هذه الولاية، وجه جلالة الملك رسالة واضحة وقوية إلى الفاعلين السياسيين، شددت على ضرورة تخليق الحياة السياسية، وإعادة الاعتبار للمؤسسة الحزبية، وتحسين جودة النخب السياسية، والارتقاء بالفعل البرلماني إلى مستوى المسؤولية الدستورية.
غير أن القراءة الموضوعية لمسار هذه الولاية تكشف أن جزءًا كبيرًا من الأحزاب لم يستوعب بعد عمق هذه الرسالة، حيث ظل الأداء السياسي في كثير من المحطات محكومًا بمنطق الاستقطاب الحاد، بدل منطق البناء المؤسساتي، وهو ما انعكس سلبًا على صورة البرلمان وعلى ثقة المواطن في الفعل السياسي.
برلمان بين النقاش الديمقراطي والتشويش السياسي
رغم أن البرلمان يشكل فضاءً دستوريًا للنقاش الديمقراطي، إلا أن هذه الولاية عرفت ارتفاعًا ملحوظًا في منسوب التوتر السياسي داخل الجلسات، حيث طغت أحيانًا لغة الاتهام المتبادل والتجاذب الحاد بين مكونات الأغلبية والمعارضة، على حساب النقاش الجاد حول السياسات العمومية.
هذا الوضع جعل المؤسسة التشريعية تبدو في بعض اللحظات أسيرة حسابات سياسية ضيقة، بدل أن تكون فضاءً لإنتاج الحلول وصياغة البدائل التشريعية، وهو ما أضعف نسبيًا من صورة العمل البرلماني لدى الرأي العام.
أزمة نخب أم أزمة أحزاب؟
المفارقة الأساسية التي تكشفها هذه الولاية هي أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بتدبير حكومي أو ظرفية اقتصادية، بل أصبحت مرتبطة بشكل أعمق بأزمة داخل البنية الحزبية نفسها، حيث تراجع دور الأحزاب في التأطير والتأهيل وصناعة النخب، لصالح منطق انتخابي موسمي لا يُنتج بالضرورة نخبًا سياسية قادرة على الفعل المؤسساتي الرصين.
وفي هذا السياق، يظهر مصطلح “الفراقشية” ليس فقط كتوصيف ظرفي، بل كعرض سياسي لخلل أعمق في بنية الوساطة السياسية والاقتصادية، وفي علاقة الفاعلين السياسيين بالمجتمع والاقتصاد.
الحاجة إلى مراجعة شاملة
مع افتتاح هذه الدورة الربيعية الأخيرة، تبدو الحاجة ملحة إلى وقفة تقييمية صريحة، لا تكتفي برصد المنجزات أو الإخفاقات، بل تمتد إلى مساءلة النموذج السياسي الحزبي نفسه، ومدى قدرته على مواكبة التحولات التي تعرفها البلاد.
فالمرحلة المقبلة لن تحتمل استمرار نفس الأعطاب: خطاب سياسي متوتر، ضعف في إنتاج البدائل، تراجع في الثقة، وغياب الجرأة في مواجهة الاختلالات البنيوية.
إنها لحظة سياسية فارقة، تضع الأحزاب أمام مسؤولية تاريخية لإعادة بناء الثقة، وتجاوز منطق “التدبير اليومي للصراع السياسي”، نحو منطق الفعل السياسي المنتج، كما دعت إلى ذلك بوضوح التوجيهات الملكية المتكررة الداعية إلى تخليق الحياة السياسية وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي الجاد.
وبين حصيلة مثقلة بالتوتر، ومصطلحات أصبحت تكشف عمق الأزمة مثل “الفراقشية”، يدخل البرلمان آخر فصول ولايته، في انتظار أن يقول الناخبون كلمتهم، وأن يقول التاريخ كلمته أيضًا.






