تقرير | المشهد السياسي المغربي: صراعات داخلية وأزمات الثقة واستمرار منطق الأعيان والمال

يشهد المشهد السياسي المغربي حالة من الاضطراب الداخلي والتراجع المؤسسي، حيث تتقاطع أزمة القيادة مع أزمة الثقة والمصداقية، في وقت كان من المفترض أن تُعيد الإصلاحات السياسية والاجتماعية ترتيب الأولويات وبناء علاقة جديدة بين الدولة والمواطن.
صراعات داخلية وهيمنة وجوه متكررة
تتسم الأحزاب المغربية اليوم بـ صراعات داخلية محتدمة على المناصب والمسؤوليات، حيث يسيطر نفس الوجوه على مناصب القرار داخل الأحزاب والبرلمان، في غياب رافد نضالي أو تجديد حقيقي للقيادات.
وتشير المراقبة إلى أن مسؤولي المصالح داخل الأحزاب أصبحوا أصحاب النفوذ الفعلي، بينما يتحول النشاط الحزبي إلى أداة لتوزيع المناصب والامتيازات، بعيداً عن التأطير السياسي الحقيقي أو ممارسة النضال السياسي، الذي بات مفقوداً تقريباً، وحل محله منطق الأعيان و المال والولاءات الشخصية.
التراجع في التأطير الحزبي ونشوء طبقة سياسية مغلقة
التجربة السياسية المغربية تاريخياً كانت ترتكز على مسارات نضالية طويلة وتجربة سياسية ترافعيةو تراكمية، أما اليوم فباتت الأحزاب أدوات لتكريس نفس الوجوه والسياسات التقليدية، مع تراجع ملموس في دورها التأطيري والتربوي للمواطنين، ما يعكس غياب تجديد حقيقي في الطبقة السياسية.
صعود الأعيان ومزاحمة المنطق الاقتصادي على العمل السياسي يعمّق الأزمة، حيث أصبحت الولاءات الاقتصادية والشخصية أكثر تأثيراً من القدرة على تقديم برامج سياسية وخدمات عمومية فعّالة.
الإصلاحات الملكية ومبادرات تخليق الحياة السياسية
في هذا السياق، جاء مبادرات جلالة الملك لتخليق الحياة السياسية، من خلال التأكيد على النزاهة، وتكافؤ الفرص، وتجديد قواعد العمل الحزبي والمؤسساتي، لكنها لم تُترجم بعد إلى واقع ملموس داخل الأحزاب، التي ما زالت تُكرس نفس المنطق القديم للسيطرة والامتيازات.
الحكومة: شعارات قوية ونجاحات محدودة
الحكومة الحالية نجحت في رفع شعارات سياسية كبيرة، لكنها لم تنجح في ترجمتها إلى نتائج ملموسة، سواء على مستوى التسيير الحكومي، أو معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك مشكلات السكن، التشغيل، الصحة،التعليم، والتوزيع العادل للموارد.
منظومة الصحة والحماية الاجتماعية
يواجه قطاع الصحة عراقيل كبيرة، من هدر التمويل إلى نقص الموارد البشرية وضعف التجهيزات، ما يعرقل تقديم الخدمات الأساسية ويزيد من معاناة المواطنين.
كما أن ورش الحماية الاجتماعية، الذي أطلق تنفيذاً للتوجيهات الملكية، لم يتم تنزيله بشكل سليم، حيث يعاني من اختلالات في التمويل، ضعف الاستهداف، وتعثر المنظومات المعلوماتية، ما يؤدي إلى حرمان فئات واسعة من المواطنين من التغطية والحق في الخدمات الأساسية.
الوضع العام: أزمة الثقة والسياسة كأداة خدمة
إن استمرار نفس الأساليب داخل الأحزاب، وسيطرة الوجوه نفسها على القرار، وتراجع التأطير الحزبي، يجعل الثقة في المؤسسات السياسية على المحك. كل هذا يؤكد أن الأزمة ليست فقط في الحكومة، بل في المنظومة السياسية كاملة، التي تعيش صراعاً بين مصالح ضيقة وواجبات اجتماعية عامة.
في المقابل، يظل المغرب يمتلك إمكانات الإصلاح والإقلاع السياسي، في ظل توجيهات ملكية واضحة تدعو إلى استعادة مصداقية المؤسسات، ترسيخ العدالة الاجتماعية، وضمان نزاهة العمل السياسي، وهو الرهان الأكبر على المدى المتوسط، إذا ما تم تجاوز منطق المصالح الشخصية والولاءات التقليدية.
المشهد السياسي في مفترق الطرق
المشهد السياسي المغربي اليوم يعكس تكرار نفس الأخطاء: صراعات داخلية، وجوه متكررة تسيطر على المناصب، تراجع التأطير الحزبي والنضال السياسي، صعود منطق المال والأعيان، وتعثر الحكومة في ترجمة الشعارات إلى نتائج.
في المقابل، توفر التوجيهات الملكية ومبادرات تخليق الحياة السياسية أرضية لإعادة بناء الثقة والمصداقية، إذا ما تحولت من شعارات إلى إصلاحات ملموسة داخل الأحزاب والمؤسسات الحكومية.
يبقى الرهان الأكبر على قدرة المغرب على استعادة السياسة كفضاء للتنافس الشريف، خدمة الصالح العام، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمساءلة، وهو السبيل الوحيد لضمان استقرار البلاد ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية.






