اختناق بجهة فاس مكناس: داء “البريميات” يحاصر الحاجب.. و”الفساد البيئي” يهدد الجميع!

تجد جهة فاس-مكناس نفسها اليوم أمام أزمة مزدوجة الأبعاد، تجمع بين كارثة بيئية صامتة في ضواحي فاس وتفشّي وبائي ينذر بالخطر في إقليم الحاجب، فقد أكدت تقارير محلية وجود حالات إصابة خطيرة بداء البريميات (Leptospirosis)، وهو مرض بكتيري قاتل ينتقل غالباً عبر المياه الملوثة ببول القوارض والحيوانات المصابة. هذا الانتشار المفاجئ للداء لم يكن ليحدث لولا وجود بيئة حاضنة، سببها الرئيسي هو سوء تدبير الصرف الصحي وتلوث مصادر المياه، وهو ما وضع القطاع الصحي في حالة تأهب قصوى، واستدعى تحركاً عاجلاً للمستشفيات في مكناس لمعالجة الحالات المصابة بالمضادات الحيوية اللازمة، مما يؤكد على جدية الموقف الصحي وضرورة اليقظة الوبائية الفورية.
إذا كان داء البريميات يعكس فشلاً في المعالجة البيئية والصحية، فإن جذوره تمتد إلى فساد معمَّم في التدبير المحلي بضواحي فاس، حيث تُشير الشكاوى المتداولة، خاصة عبر المنابر الرقمية، إلى أن الكوارث البيئية في هذه المناطق ليست عفوية، بل هي نتيجة مباشرة لـتغاضي أو تواطؤ نافذين محليين، مما يزيد الوضع تعقيداً ويحبط جهود الإصلاح. هذا التورط المزعوم في تغذية التلوث، واستغلال النفوذ للتملص من تطبيق المعايير البيئية، يُحوّل المناطق المحيطة بالمدينة إلى بؤر للتسمم البطيء، ويُعطي الانطباع بأن المصلحة الخاصة تُقدَّم على المصلحة العامة، مما يهدد صحة الآلاف من السكان في الضواحي بشكل مباشر وخطير.
إن التعامل مع هذه الأزمة لا يقتصر على تقديم العلاج الطبي للمصابين بداء البريميات فحسب، بل يتطلب هجمة شاملة على مصدر المشكلة وجذور الفساد، فالقضاء على الوباء يتطلب السيطرة الجذرية على القوارض، الناقل الرئيسي للبكتيريا، وهذا لا يمكن تحقيقه دون تدبير رشيد للنفايات ومنع تلوث مصادر المياه. هذا يستوجب تحريك مساطر التحقيق والمساءلة ضد كل شخصية نافذة يُثبت تورطها في تسهيل الكوارث البيئية أو التستر عليها، دون أي تساهل، لأن الأمر يتعلق بتهديد صريح للأمن الصحي والاجتماعي في الجهة.
إن تزايد الشكاوى حول التلوث البيئي بالتوازي مع ظهور الأوبئة يؤكد أن ملف الحكامة المحلية في جهة فاس-مكناس قد وصل إلى منعطف حرج، يتطلب تدخلاً حاسماً وفورياً لإلزام المنتخبين والنافذين باحترام القوانين وحماية صحة المواطنين، ويجب على السلطات إعادة ترتيب الأولويات ووضع الصحة العامة على رأس الأجندة، قبل أن تتحول هذه الاختلالات إلى كارثة بيئية ووبائية لا يمكن احتواؤها، فالوقت يضيق وسكان الجهة ينتظرون إجراءات حقيقية تعيد الثقة في المؤسسات وتنقذهم من وطأة التلوث وتهديد الأمراض.






