سياسة

أخنوش وحوار “الأسطوانة المشروخة”: حكومة عالقة بين التبرير والريع

لم يكن مساء الأربعاء مختلفاً عن أي مساء آخر بالنسبة للمغاربة، سوى أن رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، قرر أن يطل عبر شاشتي “الأولى” و”دوزيم” في حوار وُصف بـ “الخاص” ولكنه لم يحمل من الخصوصية سوى البلاطو الفخم. المحتوى، بدوره، لم يكن سوى إعادة تدوير لذات الخطاب: تبريرات، تلميع، وأرقام تفتقد للمصداقية على أرض الواقع. هذا الحوار، الذي كان يُفترض أن يكون فرصة للتواصل الصريح مع المغاربة، تحول إلى منصة للدفاع عن حصيلة حكومية مثيرة للجدل، والركوب على مشاريع ملكية في محاولة لتسويقها كإنجازات حكومية.

الركوب على المشاريع الملكية: الصحة، الحوز، والدعم الاجتماعي

في محاولة لتلميع صورته، استعرض أخنوش ما وصفه بـ “إنجازات” في قطاعات حيوية، متجاهلاً أن هذه المشاريع هي في الأساس أوراش ملكية بامتياز:

  1. ورش الحماية الاجتماعية: تحدث عن إدماج 10 ملايين مستفيد من نظام “راميد” في التأمين الإجباري عن المرض، وذكر أن الدولة تتحمل 9.5 مليار درهم سنوياً. لكنه تجاهل أن هذا الورش هو توجيه ملكي سامٍ منذ عام 2020 اي في عهد الحكومة السابقة، وأن الحكومة الحالية لم تكن سوى منفذة للتوجيه. الواقع، على النقيض من ذلك، لا يزال يكشف عن مشاكل بنيوية في القطاع الصحي، حيث تُظهر تقارير دولية أن المغرب ما زال يعاني من ضعف كبير في الرعاية الصحية. على سبيل المثال، يحتل المغرب مرتبة متأخرة في مؤشر الأمن الصحي العالمي (Global Health Security Index) بـ 47.9 نقطة من أصل 100، مما يضعه في ذيل الترتيب العالمي. كما أن تقرير “غلوبال وورلد نيتورك” (Global World Network) يشير إلى أن المغرب يحتل المرتبة 107 عالمياً في جودة الرعاية الصحية، مما ينسف خطاب الحكومة عن “الإصلاحات الكبرى” في القطاع.
  2. إعادة إعمار زلزال الحوز: استعرض أخنوش أرقاماً حول بناء 51 ألف منزل وتقديم دعم مالي للمتضررين. لكن هذا الورش أيضاً كان بإشراف مباشر من الملك محمد السادس، الذي تفاعل بسرعة مع الكارثة وأطلق خطة طموحة لإعادة الإعمار. تقارير ميدانية عديدة أكدت أن البيروقراطية الإدارية والبطء في صرف الدعم ما زالا يعيقان عملية إعادة الإعمار، وأن العديد من الأسر ما زالت تعيش ظروفاً صعبة، بعيداً عن الأرقام التي يروج لها رئيس الحكومة،و خير دليل على ذلك تواصل الإحتجاجات بمنطقة الزلزال التي وصلت مؤخرا حتى البرلمان بالعاصمة الرابط.
  3. برنامج الدعم الاجتماعي المباشر: اعتبره أخنوش “إنجازاً غير مسبوق”. وهو أيضاً مشروع ملكي أطلقه الملك محمد السادس في  خطاب رسمي. هذا البرنامج، الذي يهدف إلى مساعدة الأسر الفقيرة، ما زال في بداياته، ويتطلب جهداً كبيراً لضمان وصول الدعم لمستحقيه بعيداً عن أي استغلال سياسي.

تضارب المصالح: فضيحة محطة التحلية

لم يكن أي ملف في الحوار أكثر كشفاً عن تضارب المصالح الصارخ من ملف محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء. أخنوش، الذي دافع عن “شفافية” الصفقة، تجاهل أن شركتين من مجموعته (أكوا باور) فازتا بالشراكة مع شركة “أكسيونا” الإسبانية. هذه الصفقة، التي تقدر بـ مليار دولار، يتم تمويل 80% منها بقروض، مما يثير تساؤلات جدية حول منطق الريع الاقتصادي الذي بات يطبع القرارات الحكومية. كيف يمكن لرئيس الحكومة أن يكون في الوقت نفسه المستثمر والمستفيد من مشروع حيوي وممول بقروض عمومية؟ هذه الصفقة ليست مجرد “استثمار مباشر”، بل هي نموذج للسيطرة على مشاريع حيوية لمجموعة اقتصادية واحدة على حساب الشفافية والمنافسة الشريفة.

أزمة الماء: هل تُحلّ بمشاريع تخدم المصالح الخاصة؟

كان محور “الماء” من أبرز النقاط في حوار رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لكنه كان أيضاً الأكثر إثارة للجدل. ففي الوقت الذي يعيش فيه المغرب أزمة عطش غير مسبوقة، لم يكن دفاع أخنوش عن مشروع محطة تحلية المياه بالدار البيضاء مقنعاً. بل كشف عن تضارب مصالح صارخ يثير العديد من التساؤلات حول طبيعة القرارات الحكومية.

أكثر ما يثير الدهشة في هذه الصفقة هو طريقة إسنادها. فازت بها شركة “أكسيونا” الإسبانية بالشراكة مع شركتين من مجموعة “أكوا” التي يملكها رئيس الحكومة، وهي “أفريقيا غاز” و “غرين أوف أفريكا”.

  • لماذا هذا المشروع تحديداً؟ هناك حلول أخرى لأزمة الماء، مثل بناء سدود جديدة، أو إعادة تأهيل السدود القائمة، أو تحسين شبكات التوزيع للحد من التسربات. لكن الحكومة فضلت الحل الأكثر تكلفة، وهو تحلية المياه، الذي يتطلب استثمارات ضخمة ويفتح الباب أمام شركات معينة للاستحواذ على مشاريع حيوية.
  • تمويل الصفقة: المشروع، الذي تبلغ قيمته مليار دولار، يتم تمويل 80% منه بقروض من بنوك مغربية وأوروبية. هذا يعني أن الدولة هي التي تضمن القروض وتتحمل المخاطر، بينما تستفيد الشركات الخاصة من الأرباح. هذا النموذج يكرس منطق الريع الاقتصادي، حيث تُستخدم أموال ومؤسسات الدولة لخدمة مصالح مجموعة اقتصادية معينة، بدلاً من خدمة الصالح العام.

القدرة الشرائية: تضخم مستورد أم فشل حكومي؟

دافع أخنوش عن سياسات حكومته في مواجهة التضخم، مبرراً الارتفاع الصاروخي للأسعار بـ “الأزمة الدولية” وتأثيرات جائحة كورونا. لكن هذا التبرير لا يفسر الأسباب الحقيقية وراء انهيار القدرة الشرائية للمغاربة.

  • ضعف آليات المراقبة: الحكومة فشلت في ضبط الأسواق ومحاربة الاحتكار والمضاربة، مما سمح للتجار برفع الأسعار بشكل عشوائي، خاصة في المواد الغذائية الأساسية.
  • غياب الدعم المباشر: لم تقدم الحكومة برامج دعم فعالة للفئات الهشة والمتوسطة، التي تضررت بشدة من موجة الغلاء. برامج الدعم الاجتماعي التي تحدث عنها أخنوش ما زالت في بداياتها، ولم تظهر نتائجها الملموسة بعد.

 أرقام جوفاء وواقع مرير

في الوقت الذي يواصل فيه رئيس الحكومة تلميع صورته، فإن الواقع المعيشي للمغاربة يزداد سوءاً: القدرة الشرائية تنهار، التعليم يعيش أزمة مستمرة،الصحة مفقودة و المستشفيات تعيش على وضع متدهور رغم الجهود الملكية في تنزيل مخطط جديد . حيث يحتل المغرب مرتبة 111 عالمياً في جودة التعليم حسب مؤشر “يو.إس. نيوز آند وورلد ريبورت” (U.S. News & World Report). أما الأرقام التي استعرضها أخنوش، فلم تكن سوى تخدير للوعي، بعيداً عن المعاناة الحقيقية للمواطن المغربي الذي يبحث عن أجوبة شافية لأزماته اليومية، لا عن خطاب “النجاحات” المصطنعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى