سياسة

هل تتحرك وزارة الداخلية لوقف الريع الجمعوي الذي يعزز المصالح الشخصية ويغذي الحملات الانتخابية؟

لطالما كان العمل الجمعوي في المغرب أحد الأعمدة التي تدعم التنمية المستدامة وتعزز المشاركة المجتمعية. لكن في السنوات الأخيرة، بدأت هذه الدينامية تتحول إلى ساحة خصبة لانتشار ظاهرة “الريع الجمعوي”، التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على شفافية وفاعلية الدعم العمومي. ففي وقت كان من المفترض أن تكون الجمعيات أداة لتحسين حياة الفئات الهشة من خلال مشاريع تنموية حقيقية، تحولت التمويلات إلى آلية لتكريس التفاوتات الاجتماعية وتعزيز مصالح شخصية، بعيدًا عن الهدف الأساسي منها.

تشير المعطيات إلى أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أُطلقت عام 2005، والتي خصصت أكثر من 50 مليار درهم لدعم الجمعيات، قد أسفرت عن تمويل آلاف المشاريع الاجتماعية. ورغم ضخامة الأرقام، فإن التقارير الرسمية، خصوصًا من المجلس الأعلى للحسابات، كشفت عن ضعف كبير في تدبير هذه الأموال، حيث لم تُترجم هذه المبالغ إلى نتائج حقيقية على الأرض. بل على العكس، استفادت بعض الجمعيات التي تفتقر إلى الكفاءة والتخصص من تمويلات ضخمة دون تقديم أي قيمة مضافة.

لكن المشكلة لا تتوقف هنا. فبجانب سوء توزيع التمويلات، نلاحظ أيضًا غياب الرقابة الدقيقة على كيفية صرف هذه الأموال، مما يفتح المجال أمام ممارسات غير شفافة قد تكون مشبوهة في بعض الأحيان. بعض الجمعيات تجد نفسها تحصل على دعم مستمر، بينما تلك التي تُظهر كفاءة في العمل وتنفيذ مشاريع تنموية حقيقية تواجه صعوبة في الوصول إلى التمويل، وهو ما يثير علامات استفهام حول معايير التوزيع.

ما يزيد الوضع تعقيدًا هو أن “الريع الجمعوي” لا يقتصر فقط على سوء توزيع الموارد المالية، بل يمتد إلى التوظيف السياسي لهذا الريع، حيث تُستغل الجمعيات في أغلب الأحيان لخدمة أجندات انتخابية أو مصالح شخصية. هذا الأمر يعزز من الهوة الاجتماعية بين المناطق ويفاقم التفاوتات المجالية، حيث تجد بعض المناطق الغنية بتمويلات ضخمة بينما تبقى المناطق الفقيرة تفتقر إلى الدعم اللازم.

هل تتحرك وزارة الداخلية للتصدي لهذه الظاهرة؟ إذا استمرت هذه الأوضاع، فإن الثقة في العمل الجمعوي ستتآكل بشكل أكبر، وستضعف مصداقيته في نظر المواطنين، مما يؤدي إلى عزوف الكثيرين عن المشاركة في الجمعيات والمبادرات الاجتماعية. لذلك، يتطلب الوضع تدخلًا عاجلًا من الوزارة لمراقبة كيفية توزيع التمويلات وضمان استخدامها في المشاريع التي تخدم مصالح المجتمع.

من بين الحلول المقترحة للتصدي للريع الجمعوي، ضرورة فرض رقابة صارمة على صرف الأموال وتوفير آليات تقييم فعالة لقياس نتائج المشاريع الممولة. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الجمعيات أن تكون ملزمة بنشر تقارير مالية واضحة وشفافة حول كيفية إنفاق الأموال، مما يسهم في تعزيز الشفافية والمساءلة. كما يمكن إنشاء منصة رقمية وطنية تمكن المواطنين من تتبع التمويلات وحالة المشاريع، وبالتالي تكبح أي محاولات للفساد.

لا يجب أن تقتصر الحلول على محاربة الريع الجمعوي فقط، بل يجب أن تتوجه نحو تحسين معايير توزيع الدعم، بحيث يخصص التمويل بشكل أساسي للجمعيات الفعالة التي تقدم مشاريع حقيقية تخدم مصالح الفئات الهشة وتساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية. تعزيز الشراكات بين الجمعيات والقطاع الخاص قد يكون خطوة إضافية نحو تمويل مشاريع مبتكرة بعيدًا عن الضغوط السياسية والمالية.

إن استمرار ظاهرة الريع الجمعوي سيعيق بشكل كبير أي جهود لتنمية حقيقية في المغرب. ولا شك أن إصلاح هذه المنظومة يتطلب إرادة سياسية قوية من وزارة الداخلية، وتحركًا جادًا لضمان الشفافية في استخدام الأموال العمومية. يجب أن تتحول الجمعيات من مجرد أدوات استغلال إلى فضاءات حقيقية للتنمية والتغيير الإيجابي في المجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى