حنكة ملكية تحاصر إسبانيا في سبتة.. التاريخ يعود إلى الواجهة من بوابة علماء المدينة

الرباط – فاس24
في واحدة من أكثر اللحظات دلالة منذ اندلاع أزمة سبتة الأخيرة، اختار المغرب أن يرفع مستوى الاشتباك من تدبير أزمة ظرفية إلى استحضار التاريخ والذاكرة والمؤسسات، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع مدريد. ففي الوقت الذي ما تزال فيه إسبانيا تحاول احتواء تداعيات أزمة الهجرة غير المسبوقة التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز، جاءت كلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، أمام جلالة الملك محمد السادس، لتضع المدينة في سياقها التاريخي والعلمي المغربي، وتعيد فتح ملف ظل حاضراً في الذاكرة السياسية للبلدين.
وخلال الحفل الديني الذي ترأسه أمير المؤمنين الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، أكد التوفيق أن تعلق الأمة المغربية بالجناب النبوي له «تجل سياسي وتجل عاطفي»، موضحاً أن التجلي السياسي يرتبط بالبيعة «لحفظ الأرض والثوابت وضمان التحكيم العادل». ثم انتقل إلى استحضار علماء من سبتة، وفي مقدمتهم القاضي عياض صاحب «الشفا»، وأبو العباس العزفي صاحب «الدر المنظم»، قبل أن يربط كتاب «دلائل الخيرات» للإمام الجزولي بتعبئة المغاربة لتحرير المدن المحتلة على المحيط الأطلسي في بداية العصر الحديث.
قد تبدو الإشارة في ظاهرها دينية وتاريخية، لكنها في التوقيت والسياق تحمل وزناً سياسياً واضحاً. والأهم أن الكلمة لم تُلقَ في مهرجان انتخابي أو تصريح صحفي، بل أمام الملك، أمير المؤمنين، وفي مناسبة رسمية بالقصر الملكي. لذلك كان من الطبيعي أن تلتقطها مدريد بسرعة، إذ سارعت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس إلى التأكيد بأن سبتة ومليلية «إسبانيتان وغير قابلتين للمساس»، في رد يكشف حجم الحساسية التي بات يثيرها أي استحضار مغربي لتاريخ المدينتين.
وهنا تظهر الحنكة في تدبير الملف. فالمغرب لم يصدر إعلاناً بالتصعيد، ولم يطرح خطوة أحادية الجانب، ولم يدخل في سجال دبلوماسي مباشر؛ بل ترك التاريخ يتحدث، واستحضر علماء مدينة سبتة نفسها، ثم ترك مدريد أمام اختبار الرد على التاريخ.
والأكثر دلالة أن هذه الرسالة جاءت بعد تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي التي أكد فيها أن سبتة ومليلية أراضٍ مغربية من منظور المغرب، مع التشديد على أن الحوار هو الطريق لمعالجة الملف، وهي تصريحات ردت عليها مدريد برفض أي نقاش حول السيادة.
لكن إسبانيا تجد نفسها اليوم أمام معادلة أكثر تعقيداً. فمن جهة، تصر على أن المدينتين جزء لا يتجزأ من أراضيها، ومن جهة أخرى كشفت أزمة يوليوز مدى اعتمادها على التعاون المغربي لضبط حدودها الجنوبية. فقد شهدت سبتة في 30 و31 يوليوز تدفقاً جماعياً للمهاجرين، فيما أظهرت تقارير إسبانية أن مدريد حرصت على تفادي تحميل الرباط المسؤولية مباشرة، بينما تحدثت مصادر عن تواصل داخل الحكومة الإسبانية حول إمكانية أن يتصل الملك فيليبي السادس بالملك محمد السادس لبحث الأزمة، بل وعن دراسة زيارة ملكية إلى سبتة عندما يصبح ذلك «مفيداً ومعقولاً».
وهنا تكمن قوة الموقف المغربي: إسبانيا تريد إغلاق باب السيادة، لكنها لا تستطيع إغلاق باب الجغرافيا. تريد التعامل مع سبتة كجزء من أوروبا، بينما تفرض عليها الجغرافيا أن تتعامل يومياً مع المغرب باعتباره الجار الذي تتحكم معه في أحد أكثر الملفات حساسية: الحدود والهجرة والأمن.
أما التاريخ، فهو أكثر إزعاجاً لمدريد. فسبتة ليست جزيرة بعيدة عن المغرب، بل مدينة تقع على التراب الإفريقي، ولها سجل طويل في التاريخ المغربي والإسلامي، وهو ما أعاد وزير الأوقاف وضعه أمام الملك عبر أسماء علمية وكتب تراثية، لا عبر شعارات سياسية.
والمفارقة أن إسبانيا نفسها تعيش في ملف جبل طارق وضعاً تاريخياً موازياً، فيما ظلت ترفض القياس بين الحالتين. ومع التحولات الأخيرة المرتبطة بجبل طارق وسبتة ومليلية، عاد هذا التناقض إلى الواجهة بقوة في النقاشات الأوروبية والإسبانية.
لهذا، فإن المغرب لا يحتاج إلى رفع صوته كي يكون قوياً. يكفي أن يضع التاريخ على الطاولة، ويترك الجغرافيا تتحدث، ويحافظ في الوقت نفسه على لغة الحوار.
مدريد اليوم ليست أمام أزمة سبتة فقط؛ إنها أمام سؤال تاريخي وسياسي وجغرافي يتسع كلما حاولت إغلاقه.
وهذه بالضبط هي قوة التدبير الملكي: لا استعجال، لا انفعال، لا مغامرة… وإنما تراكم هادئ للوقائع، حتى يجد الطرف الآخر نفسه محاصراً بما حاول طويلاً أن يتجاهله: الجغرافيا من جهة، والتاريخ من جهة أخرى، والحاجة إلى المغرب من جهة ثالثة.






