حرب الحلفاء تخرج إلى العلن.. «الأحرار» و«البام» أمام مواجهة انتخابية مفتوحة وتحالف الحكومة يدخل منطقة الخطر

لم يعد الخلاف بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة مجرد تباين عابر داخل الأغلبية الحكومية، ولا مجرد تنافس انتخابي حول بعض الدوائر والمرشحين. خلال اليومين الأخيرين، انتقل الصراع إلى مستوى أكثر وضوحاً، بعدما تبادل الحزبان الاتهامات والبيانات، وتزامن ذلك مع تداول تسجيل صوتي منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لـ«الأحرار»، قبل أن تأتي فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لـ«البام»، بموقف سياسي شديد الدلالة حول مستقبل أي تحالف حكومي محتمل بين الحزبين بعد الانتخابات.
وتكشف هذه التطورات أن العلاقة بين الطرفين دخلت فعلياً مرحلة جديدة عنوانها صراع النفوذ، واستقطاب المنتخبين، وإعادة ترتيب موازين القوة استعداداً لانتخابات 23 شتنبر المقبل، وأن ما يجري لم يعد مجرد «سوء تفاهم» بين حليفين، بل مواجهة سياسية تتقاطع فيها الحسابات الانتخابية مع رهانات الحكومة المقبلة.
وكان المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار قد أصدر، الثلاثاء 25 غشت، بلاغاً شديد اللهجة، تحدث فيه عن محاولات استمالة وضغوط طالت عدداً من برلمانيي الحزب ومنتخبيه وقياداته الترابية، مؤكداً أن هذه المحاولات امتدت، وفق رواية الحزب، إلى عضو في مكتبه السياسي. واعتبر «الأحرار» أن تعدد الحالات وتواترها وتشابه الأساليب لم يعد يسمح بالتعامل معها باعتبارها وقائع فردية أو معزولة.
الأكثر أهمية في هذا البلاغ أنه لم يكتف بالإشارة إلى انتقالات سياسية طبيعية يمكن أن تحدث قبيل الانتخابات، وإنما وضعها في إطار أوسع يتعلق بقواعد التنافس السياسي واستقلالية التنظيمات الحزبية، معتبراً أن الانتخابات ينبغي أن تكون مجالاً للتنافس حول البرامج والأفكار والمشاريع، وليس حول استقطاب المرشحين والمنتخبين من الأحزاب المنافسة.
وهنا بالضبط بدأت المواجهة الحقيقية.
فحزب الأصالة والمعاصرة لم ينتظر طويلاً، وأصدر، الأربعاء 26 غشت، بلاغاً عن مكتبه السياسي رد فيه بشكل مباشر على اتهامات «الأحرار». ورفض «البام» ما اعتبره إقحاماً لاسمه في بيان حليفه الحكومي، ونفى نفياً قاطعاً الاتهامات المتعلقة بالضغط أو الإكراه، مؤكداً أن الالتحاق بصفوفه يتم عبر الحوار والإقناع وبحرية الاختيار والانتماء. كما قال بوضوح إنه «لن يقبل دروساً» من أي طرف في احترام القانون وقواعد العمل السياسي والمؤسساتي.
لكن الرد لم يتوقف عند النفي.
فـ«البام» أعاد فتح ملفات انتخابية سابقة، مذكراً بأن التجمع الوطني للأحرار سبق أن رشح، في انتخابات 2021، أكثر من 17 برلمانياً كانوا ينتمون إلى خمسة أحزاب، من بينهم ستة برلمانيين سابقين في صفوف الأصالة والمعاصرة، إضافة إلى عشرات المنتخبين. وبذلك اختار «البام» الرد بمنطق سياسي يقوم على قلب السؤال: إذا كان انتقال المنتخبين بين الأحزاب اليوم يمثل، بحسب «الأحرار»، مشكلة أخلاقية وسياسية، فكيف يمكن تفسير الاستقطابات التي شهدتها انتخابات سابقة؟
وهذه النقطة تحديداً تكشف أن الحرب الحالية ليست حرب بلاغات فقط، وإنما حرب ذاكرة سياسية أيضاً؛ إذ بدأ كل طرف يستدعي ماضي الآخر لإضعاف شرعيته في المعركة الحالية.
التسجيل الصوتي.. الشرارة التي رفعت مستوى المواجهة
وسط هذا السجال، جاء تداول تسجيل صوتي منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي ليمنح المواجهة بعداً أكثر حساسية.
وتحدثت مصادر إعلامية عن تسجيل منسوب إلى رئيس مجلس النواب، خلال اجتماع المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار المنعقد الثلاثاء 25 غشت، تطرق فيه إلى انتقال عدد من المنتخبين والبرلمانيين، وانتقد ما اعتبره توسعاً في عمليات الاستقطاب السياسي. كما تضمن التسجيل، وفق ما أوردته وسائل إعلام، انتقادات مباشرة لفوزي لقجع بعد التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة.
وتبقى الإشارة إلى التسجيل هنا مرتبطة بما نُسب إليه وتداولته وسائل الإعلام، وليس باعتباره وثيقة رسمية منشورة من صاحبه.
غير أن الأثر السياسي للتسجيل كان واضحاً، إذ ساهم في رفع منسوب التوتر بين الحزبين، ودفع قيادة «البام» إلى عقد اجتماع طارئ لمكتبه السياسي لمناقشة التطورات.
واللافت أن التسريب لم يأت في فراغ سياسي، بل في لحظة كان فيها انتقال فوزي لقجع إلى صفوف «البام» قد أصبح واحداً من أبرز عناصر إعادة ترتيب موازين القوة بين الحزبين. فلقجع ليس اسماً انتخابياً عادياً؛ حضوره السياسي والاقتصادي والرياضي، إلى جانب موقعه المؤسساتي، يجعل انتقاله إلى «البام» ذا حمولة رمزية تتجاوز مسألة الانتماء الحزبي الفردي.
ومن هنا يمكن فهم سبب تحوّل ملف الانتقالات من مجرد «ميركاتو انتخابي» إلى صراع حول من يملك القدرة على جذب الأسماء الثقيلة والمؤثرة.
المنصوري تنقل المواجهة إلى ما بعد الانتخابات
إذا كان البلاغان قد بقيا، في الظاهر، داخل حدود الدفاع عن المواقف الحزبية وتبادل الاتهامات، فإن تصريح فاطمة الزهراء المنصوري نقل المعركة إلى مستوى آخر تماماً.
فقد أعلنت المنصوري، عقب اجتماع المكتب السياسي لـ«البام»، أنها لن تكون معنية شخصياً بالمشاركة في أي تحالف حكومي يقوده التجمع الوطني للأحرار إذا تصدر الانتخابات التشريعية المقبلة.
وهذه العبارة، وإن حرصت المنصوري على تقديمها كموقف شخصي، تحمل وزناً سياسياً كبيراً بحكم موقعها القيادي داخل الحزب.
فالرسالة هنا لا تتعلق فقط بما يحدث الآن بين «الأحرار» و«البام»، وإنما بما يمكن أن يحدث بعد إعلان نتائج 23 شتنبر.
بمعنى آخر، لم يعد السؤال: من سيستقطب من؟
بل أصبح: هل يستطيع الحليفان الحاليان أن يجلسا إلى طاولة واحدة بعد الانتخابات؟
وهذا تحول نوعي في الخطاب السياسي.
ففي الأنظمة الحزبية التي تقوم على التحالفات، عادة ما تظل أبواب التفاوض مفتوحة إلى حين ظهور النتائج. أما أن يبدأ أحد الأطراف، قبل الاقتراع، في إعلان عدم رغبته الشخصية في المشاركة في حكومة يقودها الطرف الآخر، فهذا يعني أن الخلاف بلغ درجة جعلت حسابات ما بعد الانتخابات تدخل مبكراً إلى قلب المعركة الانتخابية.
من يربح «الميركاتو» لا يضمن الحكومة
المشهد الحالي يكشف أيضاً مفارقة أساسية.
قد ينجح حزب في استقطاب أسماء وازنة، وقد يخسر حزب آخر عدداً من المنتخبين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن نتائج الانتخابات ستترجم هذه التحولات بشكل مباشر.
فالانتخابات لا تُحسم فقط بعدد الأسماء التي انتقلت من حزب إلى آخر، وإنما بقدرة التنظيمات على تحويل هذه الأسماء إلى أصوات ومقاعد، وبقوة التنظيم المحلي، وفعالية الحملات، والقدرة على إقناع الناخبين، والأهم بمدى ارتباط المرشح بالكتلة الانتخابية التي يتحرك داخلها.
لذلك فإن الحرب الحالية بين «الأحرار» و«البام» يمكن قراءتها باعتبارها صراعاً على المواقع قبل أن تكون صراعاً على النتائج.
كل حزب يريد أن يدخل يوم الاقتراع وهو في أفضل وضع تفاوضي ممكن، سواء تعلق الأمر بعدد المقاعد أو بالوزن السياسي أو بالأسماء القادرة على صناعة الفارق داخل البرلمان المقبل.
لماذا أصبح الصراع شرساً الآن؟
التوقيت وحده يشرح جانباً كبيراً من القصة.
فالانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر أصبحت قريبة، ومرحلة إعداد اللوائح وحسم الترشيحات عادة ما تكون الأكثر حساسية داخل الأحزاب. وفي هذه المرحلة بالذات، يصبح انتقال منتخب أو برلماني من حزب إلى آخر أكثر من مجرد تغيير في بطاقة الانتماء؛ إنه قد يؤثر في دائرة انتخابية كاملة، وفي تحالفات محلية، وفي موازين القوى داخل التنظيمات.
ولهذا فإن انتقالات من «الأحرار» إلى «البام» باتت تُقرأ من قيادة الحزبين باعتبارها جزءاً من معركة انتخابية أكبر.
والأهم أن الحزبين ليسا خصمين تقليديين من خارج السلطة، بل مكونان أساسيان في الأغلبية الحكومية الحالية. ولذلك فإن المواجهة بينهما تحمل مفارقة سياسية: يتنافسان على الحكومة المقبلة وهما لا يزالان شريكين في الحكومة القائمة.
وهذه هي النقطة التي تجعل المشهد أكثر تعقيداً.
من التحالف الحكومي إلى التنافس على قيادة المرحلة المقبلة
القراءة الأعمق لما يجري تقود إلى أن العلاقة بين الحزبين دخلت مرحلة إعادة تعريف.
خلال المرحلة السابقة، كان وجودهما داخل الأغلبية يفرض قدراً من الانضباط السياسي، حتى عندما كانت الخلافات تظهر إلى السطح. أما اليوم، ومع اقتراب الانتخابات، فقد أصبحت كل جهة تنظر إلى الأخرى باعتبارها منافساً مباشراً على المقاعد والامتداد الترابي والوزن داخل الحكومة المقبلة.
وبالتالي فإن التحالف الحكومي لم يعد كافياً لضبط التنافس الانتخابي.
بل ربما أصبح العكس هو الصحيح: كلما اقترب موعد الانتخابات، كلما أصبحت الشراكة الحكومية نفسها محكومة بمنطق المنافسة.
وهذا ما يفسر الانتقال السريع من الانتقادات غير المعلنة إلى البلاغات الرسمية، ومن النقاشات الداخلية إلى التسجيلات المسربة، ومن الخلاف حول المنتخبين إلى الحديث عن شكل الحكومة المقبلة.
معركة لقجع والرمزية السياسية للاستقطاب
يحتل فوزي لقجع موقعاً مركزياً في هذا الصراع، ليس فقط بسبب انتقاله إلى «البام»، ولكن بسبب ما يمثله هذا الانتقال من الناحية السياسية.
فاستقطاب شخصية ذات حضور وطني قوي يعطي الحزب الذي يستقبلها قيمة مضافة، بينما يمكن أن يفسر الحزب الذي فقدها العملية باعتبارها استهدافاً لبنيته التنظيمية.
ولهذا لم يعد اسم لقجع مجرد اسم في لائحة المرشحين أو القيادات؛ أصبح جزءاً من معركة أكبر حول من يملك القدرة على صناعة النخب السياسية الجديدة.
والمفارقة أن الطرفين يقدمان قراءتين متناقضتين للعملية نفسها: «الأحرار» يتحدث عن استمالة وضغوط، بينما «البام» يتحدث عن حرية الاختيار والانتماء. وبين الروايتين توجد الحقيقة التي يفترض أن تحسمها الوقائع والقانون والناخبون، لا البلاغات وحدها.
معركة البلاغات تخفي معركة أكبر
ما يجري حالياً يمكن وصفه بأنه بداية حرب سياسية مفتوحة داخل الأغلبية، لكن من الخطأ اختزالها في تبادل الاتهامات.
المواجهة الحقيقية تدور حول ثلاثة رهانات متزامنة:
أولاً، من يستطيع الحفاظ على أكبر قدر من المنتخبين والمرشحين إلى غاية الاقتراع؟
ثانياً، من يستطيع تحويل الاستقطاب السياسي إلى مكاسب انتخابية فعلية؟
وثالثاً، من سيدخل مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة وهو يملك أوراقاً أقوى؟
ومن هذه الزاوية، يصبح تصريح المنصوري أكثر أهمية من مجرد موقف شخصي؛ لأنه يكشف أن الحسابات بدأت تتجاوز الانتخابات نفسها نحو مرحلة تشكيل الأغلبية المقبلة.
وفي المقابل، فإن بلاغ «الأحرار» يكشف أن الحزب لا يريد أن تمر هذه المرحلة باعتبارها مجرد انتقالات فردية، بل يريد تحويلها إلى قضية مرتبطة بنزاهة المنافسة واستقلالية الأحزاب.
أما رد «البام»، فإنه يوضح أن الحزب اختار عدم التراجع، بل نقل المعركة إلى أرضية المقارنة التاريخية، مذكراً بانتقالات سابقة شهدها المشهد السياسي المغربي.
الحليفان أمام اختبار الصناديق
في نهاية المطاف، قد تكون البلاغات والتسجيلات والتصريحات مؤشراً على شدة الصراع، لكنها لن تحسمه.
الحسم سيكون يوم الاقتراع.
فإذا نجح «الأحرار» في الحفاظ على موقع الصدارة، سيكون أمامه امتحان سياسي حقيقي في تشكيل الأغلبية، خصوصاً إذا ظل موقف قيادة «البام» على حاله. وإذا تمكن «البام» من تحقيق قفزة انتخابية كبيرة، فإن موازين القوة داخل أي مفاوضات حكومية مقبلة ستتغير بدورها.
أما إذا جاءت النتائج بعكس توقعات الطرفين، فقد تضطر الحسابات السياسية إلى إعادة بناء نفسها من جديد.
لذلك، فإن الحرب الحالية بين «الأحرار» و«البام» ليست فقط حرباً على المرشحين، ولا حرباً على البلاغات، ولا حتى حرباً شخصية بين بعض القيادات.
إنها، في جوهرها، معركة مبكرة حول شكل الخريطة السياسية التي ستولد بعد 23 شتنبر.
وإذا كان انتقال المنتخبين هو الواجهة الظاهرة للصراع، فإن جوهره الحقيقي يكمن في سؤال أكبر بكثير: من سيقود المرحلة السياسية المقبلة، ومن سيكون شريكاً، ومن سيجد نفسه مضطراً إلى إعادة ترتيب موقعه خارج المعادلة؟
وهنا تحديداً تصبح الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد استحقاق انتخابي؛ إنها لحظة لإعادة توزيع القوة داخل الأغلبية نفسها، بعدما بدأ الحليفان يكتشفان أن الطريق إلى الحكومة المقبلة قد يمر أولاً عبر منافسة أحدهما للآخر.
والواضح أن «الهدنة الحكومية» بين «الأحرار» و«البام» لم تعد تعكس بالضرورة حقيقة العلاقة السياسية بينهما. فالانتخابات فتحت الباب أمام مواجهة مباشرة، والبلاغات كشفت حجم الاحتقان، والتسجيل المتداول زاد النار اشتعالاً، وتصريح المنصوري نقل النقاش إلى مرحلة ما بعد النتائج.
ومن الآن إلى 23 شتنبر، لن يكون السؤال فقط من سيفوز في الانتخابات، بل من سيدخلها وهو قادر على حماية بيته السياسي، ومن سيدخلها وهو يفاوض من موقع قوة، ومن سيكتشف بعد ظهور النتائج أن الحرب التي خاضها ضد حليفه كانت في الحقيقة معركة على مستقبل موقعه داخل الدولة والحكومة والحقل الحزبي المغربي.






