سياسة

هدهدة الوعود.. “ضجيج نهاية الأسبوع”: متى تنتهي “مسرحية” التواصل الحزبي في المغرب؟

يتحول مشهدنا السياسي في المغرب، تحديداً مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، إلى ما يشبه “سيمفونية الضجيج” التي تُعزف حصراً في عطلة نهاية الأسبوع. فما إن يبزغ فجر يوم السبت، حتى يستل الوزراء والقيادات الحزبية حقائبهم، تاركين أروقة “الرباط” الهادئة ومغنمها المريح ليوميات العمل الحكومي والبرلماني، متجهين صوب المدن والأقاليم في سباق محموم لتنظيم ما يُعرف بـ “اللقاءات المفتوحة” و**”التجمعات التواصلية”**.

هذا التقليد، الذي تكرس كموسم انتخابي سابق لأوانه، يثير تساؤلات جدية ومريرة حول صدقية وجدوى هذا التواصل.

السبت والأحد: موسم “الكذب الأنيق”

تُقام هذه اللقاءات تحت شعارات براقة: “الإنصات للمواطن”، “التفاعل مع القضايا المحلية”، و”تقييم العمل الحكومي”. لكن نظرة متفحصة تكشف أن الهدف الأسمى هو “الظهور” و**”التلميع الإعلامي”** وإطلاق “الوعود الرنانة” التي تتطاير مع أول يوم عمل جديد.

يقول أحد المراقبين الساخرين: “يخصص الوزراء وقيادات الأحزاب عطلة نهاية الأسبوع لـ ‘تبرئة الذمة’ من صمتهم الأسبوعي. هم يقومون بـ ‘غسيل’ سياسي سريع ليعودوا يوم الإثنين إلى ‘مغرب الفرص’ الذي لا يستفيد منه إلا هم. تتحول الأيام العادية إلى فرصة للاستفادة، والسبت والأحد إلى فرصة للكذب على المواطن”.

إنّ هذا التباين الصارخ بين “أداء المنصة” وبين “واقع التدبير” هو ما يفاقم حالة الاحتقان السياسي والشعبي. فالقيادات التي تتحدث بحرارة عن “الإصلاح” و”محاربة الفساد” يوم الأحد، هي نفسها التي تتخذ قرارات في الرباط قد لا تخدم بالضرورة مصلحة المواطن البسيط.

تصعيد الضجيج و”اشتراط” الاستحقاقات

يشتعل الوضع السياسي أكثر فأكثر مع اقتراب الاستحقاقات. فبدلاً من أن تتحول هذه اللقاءات إلى منابر للنقد الذاتي وتقديم حصيلة شفافة وقابلة للمساءلة، تتحول إلى “منابر للقصف المتبادل” بين فرقاء الحكومة والمعارضة، وكأن الغاية ليست خدمة الوطن، بل ضمان المقاعد الانتخابية.

قيادات الحكومة: تستعرض إنجازات لا يشعر المواطن بوطأتها، وتُحمل تركة الإخفاقات إلى “ظروف دولية” أو “إرث الماضي”.

قيادات المعارضة: تُكثف من لغة الانتقاد اللاذع دون تقديم بدائل عملية وملموسة تختلف في عمقها عن البدائل التي طُرحت في الماضي.

هذا الضجيج يخلق حالة من “التمويه السياسي”، حيث يصبح حجم الصوت وعدد الحاضرين في اللقاء هو المعيار بدلاً من عمق المقترحات وجدية التنفيذ.

متى ينتهي “اقتصاد التواصل”؟

إنّ السؤال المحوري الذي يجب أن يطرحه كل مواطن مغربي هو: متى تتحول هذه “اللقاءات المفتوحة” من مجهود موسمي لكسب الأصوات إلى عمل مؤسساتي يومي ومستدام؟

إنّ “اقتصاد التواصل” الحزبي في المغرب بات معيباً:

الجهوية المؤقتة: زيارات عطلة نهاية الأسبوع هي اعتراف ضمني بـ “غياب التنمية المحلية” وبأنّ القرار الفعلي يبقى رهين أسوار العاصمة، والزيارة مجرد “بلسم مؤقت”.

الهروب من المسؤولية: التركيز على الشعارات العامة والخطابات الحماسية هو محاولة للهروب من مناقشة الملفات الحارقة التي تستوجب إجابات محددة، مثل غلاء المعيشة، بطالة الشباب، وأزمة التعليم والصحة.

تآكل الثقة: هذا السلوك المزدوج للأحزاب (صمت وتدبير من الرباط/ ضجيج ووعود في الأقاليم) هو الدافع الأقوى لتآكل الثقة بين المواطن والنخبة السياسية، مما يهدد أسس الديمقراطية التمثيلية برمتها.

في الختام، تبقى الساحة السياسية المغربية في حاجة ماسة إلى صدمة ضمير تعيد تعريف دور الأحزاب من كونها آلة لكسب الفرص إلى مؤسسات لخدمة الشعب. لا يكفي “ضجيج السبت والأحد” لستر عجز “صمت باقي الأيام”. فالشعب يريد أفعالاً تدوم، لا وعوداً تتبخر مع أول شعاع شمس يوم الإثنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى