قضايا

ملف الأحد : “ديبلومات للبيع وجنس مقابل النجاح”.. الجامعات المغربية على فوهة بركان الفساد

ملف الأحد : إعداد عبدالله مشواحي الريفي

منارة المعرفة.. تتحوّل إلى سوق خلفية

في قلب المغرب، حيث يُفترض أن تنمو المعرفة وتزدهر العقول، تتآكل الجامعات المغربية من الداخل. من مؤسسات للعلم إلى مراكز للفساد والابتزاز، ومن فضاءات الاجتهاد إلى ساحات المحاباة والسمسرة، ينهار جدار الثقة الذي بناه المغاربة جيلاً بعد جيل حول التعليم العالي.

فساد معلن و”ماسترات للبيع”

في جامعة ابن زهر بأكادير، خرجت للعلن واحدة من أخطر القضايا: شبكة تتاجر في شهادات الماستر والدبلومات مقابل المال، علنًا، بمنهجية، وبتواطؤ داخلي. لا مباريات، لا حضور، فقط وسيط ومبلغ مالي. والنتيجة: شهادة أكاديمية قد تفتح باب المحاماة أو التدريس أو الوظيفة العمومية، دون علم أو جدارة.

سطات… المدينة التي صرخت فيها الكرامة

غير بعيد، فجّرت مدينة سطات واحدة من أكثر الفضائح إيلامًا، حين كشفت طالبات شجاعات عن تعرضهن لابتزاز جنسي من أساتذة استغلوا مواقعهم لمنح النقط والمزايا مقابل “مقابلات خاصة”. هكذا تحوّلت الجامعة من فضاء للعلم إلى مساحة للهيمنة الذكورية، تُستعمل فيها السلطة الأكاديمية كسلاح لإخضاع الجسد وتحقير الإنسان.

حين يصبح القانون الجنائي سلعة

في سياق أكثر خطورة، كشفت تقارير عن حصول أكثر من 320 شخصًا على شهادة الماستر في تخصص القانون الجنائي مقابل مبالغ مالية. لا كفاءة، لا انتقاء، فقط شراء مباشر لمسار جامعي يفتح أبواب الوظيفة العمومية و الترقية. هذا الخلل لا يُهدد الجامعة فقط، بل يضرب في العمق شرعية النظام القضائي برمته.

ما مصير من إشترى “الماستر” ؟ هل سيتم سحب الشهادات؟ هل تُفتح ملفات التوظيف التي بُنيت على شهادات مغشوشة؟ أم يُكتفى بالسكوت المُكلّف، ليصبح أصحاب  ديبلومات مشبوهة شركاء في تقويضه؟

 حين يصبح السياسي و  الحقوقي تاجر شهادات

خلافًا لما جرت عليه العادة في قضايا الجامعة، لم تلتزم الدولة  الصمت. تحرّكت النيابة العامة، وفتحت مسطرة قضائية انتهت باعتقال أستاذ متورط في بيع شهادات الماستر في تخصص القانون الجنائي، في سابقة حركت الرأي العام، ليس فقط لحجم الشبكة وعدد المستفيدين، بل لأن المتهم لم يكن شخصًا عاديًا. إنه أستاذ جامعي، قيادي حزبي، ورئيس جمعية حقوقية تُفترض فيها الدفاع عن الشفافية ومحاربة الفساد.

المفارقة هنا قاتلة. كيف يستوي أن يرفع الإنسان شعارات النزاهة والعدل، ثم يُضبط متلبسًا في صفقات مشبوهة تُهدد جوهر العدالة ذاتها؟ هذا التناقض العميق بين الواجهة الحقوقية والسلوك المصلحي يُعرّي جزءًا من النخبة التي تتاجر بالقيم، وتلبس عباءة الطهرانية نهارًا لتُدير شبكات الفساد ليلًا.

الدولة، بتوقيفها لهذا الأستاذ، وجّهت رسالة قوية – وإن متأخرة – بأنها مستعدة لفتح الملفات، ولو مست “شخصيات رمزية” أو محسوبة على جهات نافذة. لكن هذه الخطوة، رغم رمزيتها، لا تكفي وحدها. فالأمر لا يتعلق بفرد فقط، بل بمنظومة. المطلوب ليس فقط اعتقال الفاسد، بل تفكيك الأرضية التي سمحت له بالتغول لعقود، داخل الجامعة وخارجها، تحت حماية الشرعية السياسية أو الجمعوية أو الأكاديمية.

العدالة حين تتحرك، تفعل ذلك لحماية المبدأ لا للانتقام. والمطلوب اليوم أن تذهب المتابعات القضائية حتى نهايتها، مع إعلان نتائج التحقيقات كاملة، وسحب كل الشهادات التي تم الحصول عليها بطرق غير قانونية، ومساءلة كل من استفاد منها، ومراجعة كل التوظيفات التي بُنيت عليها.

جامعات و دهاليز و حكايات في المدرجات … روايات تتكرر

في جامعات مغربية يتكرر نفس المشهد و تسمع نفس الرواية ،طالبات يحكين أنهن سلمن أسجادهن للأساتذة مقابل النقط و النجاح و حتى الحصول على الديبلوم،و اساتذة مرضى يقتنصون أجساد الطالبات بالمدرجات و ينتهي بهن الأمر في بيوت مخصصة للفساد، لم تختلف الحكايات كثيرًا. تغييرات غامضة في نتائج مباريات الماستر، تدخلات لفائدة أبناء نافذين، صفقات غير معلنة تُبرم بين المكاتب والهواتف. طلبة نجباء يتم إقصاؤهم، وأسماء مجهولة تظهر فجأة في لوائح القبول. كل شيء قابل للبيع، بدءًا من النقطة إلى المقعد الجامعي نفسه.

الشرفاء بين المطرقة والسندان

الأساتذة  و الطلبة النزهاء يعيشون حالة حصار. من يبلغ عن الفساد يُقصى، يُهمش، يُحارب إداريًا. يحاكم بالسجن و التعويض ، تتحول المعركة من أكاديمية إلى شخصية، وتُبنى شبكات داخلية لحماية المتورطين، وطمس الأدلة، وترويج رواية “الوضع تحت السيطرة”. أما الحقيقة، فمدفونة في مكاتب مغلقة ولجان لا تنشر نتائجها.

جامعة بلا معنى.. نخبة بلا شرعية

ما يُخيف أكثر من الفضيحة، هو الاعتياد عليها. أن يتحول الغضب إلى لامبالاة، وأن يصير الظلم جزءًا من القاعدة. الطالب لم يعد يثق في نقطته، الأستاذ الشريف لم يعد يشعر بالحماية، والمجتمع بدأ ينظر إلى الشهادة الجامعية كمجرد ورقة لا تعكس علمًا ولا كفاءة. في هذا السياق، تفقد النخبة شرعيتها، ويُنتج الوطن جيلًا هشًا لا يثق في نفسه ولا في مؤسساته.

ترقب و صمت وسط جامعة يحاول البعض ضرب عمق المغرب

وسط كل هذا، يغيب صوت المنطق. ويبقى الترقب سيد نفسه ، الوزارة تكتفي بالبلاغات، والنيابة العامة تتحرك ما إن توفرت أدلة و قرائن ، و الصمت من الفضيحة و العار يلزم طالبات السكوت ، والجامعات تلوذ بالصمت المؤسسي. لا سحب للشهادات، لا توقيفات نهائية، لا إجراءات رادعة. وهكذا، يُعاد تدوير الفاسدين في دواليب الجامعة، وتُحفظ الملفات في الأدراج، ويُنسى الضحايا.

ما الذي نُنتجه داخل الجامعة؟

في ظل هذا الواقع، لا يمكن الحديث عن تعليم عالٍ، بل عن إنتاج يومي لرداءة مؤسساتية. لا يُصنع العلم في هذا المناخ، بل يُصنع التواطؤ، والانبطاح، وثقافة “التدبير” بدل النقد. في غياب إرادة قوية لمحاسبة المتورطين وتجفيف منابع الفساد، لن تُخرج الجامعة المغربية إلا أجيالًا ضعيفة، مشوشة، فاقدة للثقة في نفسها وفي وطنها.

نهاية الحرم أم بداية الحساب؟

لا يتعلق الأمر بمجرد فضائح جامعية، بل بمستقبل وطن. الجامعة هي قلب المجتمع، وإذا خرب القلب، فسدت باقي الأعضاء. إن الفساد في الحرم الجامعي ليس فقط خيانة للعلم، بل تهديد للأمن القانوني والاجتماعي والأخلاقي.

والسؤال اليوم لم يعد: “هل هناك فساد؟”، بل: هل هناك إرادة حقيقية لمواجهته؟
فإما أن تكون الجامعة مصنعًا للمستقبل، أو تتحول إلى مقبرة للأمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى