سياسة

حصيلة حكومة عزيز أخنوش: بين خطاب تواصلي جديد ومنجزات ميدانية تُراكم بعد عقد من الاختلالات

في سياق سياسي واقتصادي يتسم بتقلبات دولية وضغوط اجتماعية متزايدة، اختارت الحكومة التي يقودها رئيس الحكومة عزيز أخنوش تكثيف حضورها التواصلي مع الرأي العام، من خلال لقاءات مباشرة مع وسائل الإعلام، كان آخرها اللقاء المنعقد بمقر رئاسة الحكومة في الرباط، والذي قدم خلاله عرضاً مفصلاً لأبرز منجزات الولاية الحكومية، في خطوة تعكس تحوّلاً ملحوظاً في أسلوب التواصل السياسي مقارنة بسنوات سابقة اتسمت بضعف التفاعل وغياب الشرح العمومي للسياسات.

التواصل الحكومي: من الغياب إلى الحضور المؤطر

من أبرز ملامح هذه المرحلة، بروز ما يمكن وصفه بـ”التواصل الحكومي المؤسسي”، حيث لم تعد الحكومة تكتفي بالبلاغات الرسمية، بل اتجهت نحو تقديم شروحات مباشرة، مدعومة بالأرقام والمعطيات، حول السياسات العمومية والخيارات الاقتصادية والاجتماعية.

هذا التحول يكتسي أهمية خاصة، إذا ما تم وضعه في سياق المرحلة السابقة، التي عرفت انتقادات واسعة لما اعتُبر غياباً للتواصل الفعّال، ما ساهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات. اليوم، يبدو أن الحكومة الحالية تحاول إعادة بناء هذه الثقة، عبر خطاب يقوم على الشفافية وتقديم الحصيلة بشكل دوري.

فلسفة التوازن: بين الاستقرار المالي والدولة الاجتماعية

أكد رئيس الحكومة أن اختياراته منذ بداية الولاية قامت على تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى، وتسريع تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، وهو خيار يعكس وعياً بتعقيدات المرحلة، خاصة في ظل تداعيات الأزمات العالمية، من جائحة إلى توترات جيوسياسية أثرت على سلاسل الإمداد والأسعار.

هذا التوجه تُرجم عملياً في إطلاق برامج اجتماعية كبرى، على رأسها تعميم الحماية الاجتماعية، وتوسيع الاستفادة من التأمين الإجباري عن المرض، ودعم الفئات الهشة، وهي أوراش تعتبر من بين الأكبر في تاريخ السياسات الاجتماعية بالمغرب.

الحوار الاجتماعي: عودة الروح بعد سنوات من الجمود

أحد أبرز الملفات التي ركز عليها أخنوش هو الحوار الاجتماعي، الذي وصفه بـ”الكبير”، بالنظر إلى حجم الملفات التي شملها، والفئات المستفيدة منه. وتشير المعطيات إلى أن هذا الحوار أفضى إلى زيادات في الأجور، وتحسين شروط العمل، وتسوية عدد من الملفات العالقة.

الأهم من ذلك، أن هذا الحوار أعاد الحيوية إلى العلاقة بين الحكومة والمركزيات النقابية، بعد سنوات من التوتر والجمود، حيث أقرت عدة أطراف نقابية بوجود تقدم ملموس في التعاطي مع الملفات الاجتماعية، وهو ما يعكس تغيراً في منهجية التدبير، قائم على التفاوض بدل الصدام.

إصلاح التقاعد: ملف مؤجل لا يحتمل التأجيل

في ملف إصلاح أنظمة التقاعد، أقر رئيس الحكومة بحساسية هذا الورش، مؤكداً أن صناديق التقاعد تواجه ضغطاً زمنياً حقيقياً، ما يفرض اتخاذ قرارات صعبة في أفق زمني محدود. وقد تم فتح نقاش تقني مع النقابات لبحث مختلف السيناريوهات الممكنة.

هذا الملف يُعد من أعقد الإصلاحات الهيكلية، نظراً لتأثيره المباشر على ملايين المغاربة، وهو ما يجعل مقاربته التوافقية أمراً ضرورياً لتفادي أي توترات اجتماعية، خاصة في ظل تجارب سابقة لم تحقق الإجماع المطلوب.

التشغيل: أرقام تعكس تحسناً… وتحديات مستمرة

في محور التشغيل، قدمت الحكومة أرقاماً تعتبرها إيجابية، حيث تم إحداث حوالي 850 ألف منصب شغل خارج القطاع الفلاحي بين 2021 و2025، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، بمعدل سنوي يصل إلى 170 ألف منصب، وهو رقم يفوق بكثير ما تم تسجيله في ولايات حكومية سابقة.

هذه الأرقام تعكس، حسب الحكومة، تحسناً في دينامية سوق الشغل، خاصة في القطاعات الصناعية والخدماتية، غير أن التحدي لا يزال قائماً في ظل استمرار معدل البطالة في حدود 13 في المائة، إضافة إلى إشكالية عدم التوازن بين العرض والطلب في سوق العمل، حيث تعاني بعض القطاعات من نقص في اليد العاملة المؤهلة.

قراءة في الحصيلة: هل نحن أمام قطيعة مع الماضي؟

لا يمكن قراءة الحصيلة الحكومية الحالية دون استحضار السياق الذي جاءت فيه، حيث تسلمت الحكومة مهامها بعد عقد من تدبير حزب العدالة والتنمية، وهي فترة وُصفت من قبل منتقديها بأنها خلفت اختلالات وتراكمات، سواء على مستوى التشغيل أو الحوار الاجتماعي أو الإصلاحات الهيكلية.

الحكومة الحالية تحاول تقديم نفسها كمرحلة “تصحيح” لهذه الاختلالات، عبر تسريع وتيرة الإصلاحات، وتحقيق نتائج ملموسة في ملفات ظلت عالقة لسنوات، وهو ما يظهر في الخطاب الرسمي الذي يركز على “الإنجاز” و”الفعالية” بدل الشعارات.

بين الخطاب والواقع: رهانات المرحلة المقبلة

رغم المؤشرات التي تقدمها الحكومة، يبقى التحدي الأساسي هو ترجمة هذه الأرقام إلى أثر ملموس في حياة المواطنين، خاصة في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بغلاء المعيشة، والتفاوتات الاجتماعية، وتحديات التشغيل.

كما أن نجاح الحكومة في الحفاظ على زخم الإصلاحات سيظل مرتبطاً بقدرتها على تدبير الملفات الحساسة، مثل التقاعد، ومواصلة الحوار مع النقابات، وتعزيز الاستثمار لخلق فرص شغل مستدامة.

تواصل جديد وحصيلة قيد الاختبار

يمكن القول إن حكومة عزيز أخنوش اختارت الجمع بين تحسين أدائها التواصلي وتقديم حصيلة رقمية تعكس دينامية في عدد من الأوراش، في محاولة لإقناع الرأي العام بجدوى اختياراتها، خاصة بعد مرحلة سابقة اتسمت بانتقادات حادة.

غير أن الحكم النهائي على هذه التجربة سيظل رهيناً بمدى قدرتها على تحقيق تحول فعلي في الواقع الاجتماعي والاقتصادي، بما يتجاوز لغة الأرقام إلى تحسين ملموس في معيش المواطنين، وهو الرهان الأكبر لأي سياسة عمومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى