قضايا

جدل برلماني وطني حول صفقات ضخمة لإصلاح المستشفيات: أكثر من 15 مليار درهم خارج قانون الصفقات!

تفجّر جدل واسع داخل البرلمان والرأي العام المغربي بعد الكشف عن معطيات مثيرة تتعلق بصفقات ضخمة لإصلاح 90 مستشفى عمومياً و1600 مركز صحي عبر مساطر تفاوضية مباشرة، خارج قواعد المنافسة التي يفرضها قانون الصفقات العمومية، في خطوة وصفت بأنها تفتح الباب واسعاً أمام الريبة وتسيل لعاب المقاولات المحظوظة والمقرّبة من دوائر القرار.

الجدل تفاقم بعدما تم الحديث عن تفويض استثنائي من رئيس الحكومة لوزارة الصحة، يسمح لها بإبرام صفقات بمبالغ تفوق 15 مليار درهم، دون المرور عبر المساطر التنافسية المعهودة، تحت ذريعة “الاستعجال”. لكن هذا “الاستعجال” أصبح اليوم مثار تساؤلات حارقة في البرلمان، بعد أن اعتبر العديد من المراقبين أن تبريره غير مقنع، خصوصاً في ظل الحديث عن مستشفيات سبق أن كانت موضوع شراكات مع القطاع الخاص أو حتى خرجت من الملكية العمومية.

القضية لا تتعلق فقط بمسطرة تفاوضية مشبوهة، بل تثير علامات استفهام حول من يستفيد فعلاً من هذه المشاريع الضخمة، وكيف تُوزَّع هذه الكعكة المالية الهائلة بين مقاولات بعينها، بعضها معروف بقربه من دوائر نافذة في الدولة. ويخشى متتبعون أن تتحول هذه الصفقات إلى بوابة جديدة للريع الصحي المقنَّع، بدل أن تكون فرصة لتأهيل قطاع يعيش على أنقاض الإهمال والخصاص المزمن.

برلمانيون من المعارضة تحدثوا عن “ضرب صريح لمبدأ تكافؤ الفرص”، و”انحراف خطير في تدبير المال العام”، محذرين من “تحويل الإصلاح الصحي إلى مزاد مغلق يخدم مصالح محددة”. كما طالبوا بالكشف العلني عن أسماء الشركات والمجموعات التي فازت بهذه الصفقات، وإخضاع العملية برمتها لمراقبة مالية دقيقة من المجلس الأعلى للحسابات.

أما الرأي العام، فعبّر عن غضب واسع على منصات التواصل، متسائلاً: كيف يمكن لصفقات تتجاوز 1500 مليار درهم أن تمرّ في صمت، خارج الإعلانات العمومية والمنافسة القانونية؟ وكيف يُعقل أن تُمنح مشاريع بهذا الحجم في وقت تعاني فيه أغلب المؤسسات الصحية من أعطاب هيكلية ونقص في الموارد البشرية والتجهيزات؟

مؤشرات كثيرة تؤكد أن ما يجري ليس مجرد تدبير استعجالي، بل هو تحوّل خطير في منطق صرف المال العام، إذ يتم تجاوز الإطار القانوني للصفقات بحجة السرعة، في حين تُهمَّش الشفافية والرقابة والمحاسبة. واعتبر خبراء أن ما يقع اليوم يشكل سابقة في تاريخ تدبير القطاع الصحي، ويكشف أن شعار “الإصلاح” قد يتحول إلى غطاء لتوزيع الثروة الصحية بين المحظوظين.

الملف بات اليوم قضية رأي عام بامتياز، بعدما انفجرت الأسئلة في وجه الحكومة:
من رخص لهذه الصفقات؟
ما هي المعايير التي تم اعتمادها؟
ولماذا تم إقصاء المنافسة العلنية؟
ثم، أين هي المؤسسات الرقابية التي يفترض أن تضمن سلامة هذه الإجراءات؟

وفي غياب أجوبة مقنعة، يتعمق الشك أكثر في نوايا الحكومة بخصوص “إصلاح المنظومة الصحية”، التي يُفترض أنها أحد أعمدة الدولة الاجتماعية، لكنها اليوم تبدو وكأنها تتحول إلى مغنم اقتصادي جديد للمقرّبين، بدل أن تكون رافعة للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين المقاولات.

القضية مرشحة لتتحول إلى أحد أكبر ملفات الفساد المحتمل في تاريخ الصفقات العمومية، ما لم تُكشف تفاصيلها للعلن وتخضع لرقابة حقيقية تضع حداً لمنطق “الصفقات في الظل” الذي يهدد مصداقية الدولة ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى