سياسة

القانون الانتخابي الجديد يُغلق نهائياً باب الإعلانات الأجنبية.. ويُصفي تركة 2021 الرقمية بلا رحمة

تجاوز مشروع القانون الانتخابي الذي قدمه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أمام البرلمان مجرد تعديلات تقنية في المساطر الانتخابية. إنه نص صريح يقرأ التحولات الكبرى في معركة التأثير على الناخب، حيث لم تعد الحملات تدور فقط في الساحات العمومية أو قاعات التجمعات، بل أصبحت تُدار داخل خوارزميات منصات رقمية أجنبية تتحكم في من يرى ماذا ومتى وبأي كثافة.

المشروع يكشف هاجساً أساسياً: حماية شرعية الاقتراع في زمن أصبحت فيه جزء كبير من المعركة على وعي الناخب يُدار من خارج الحدود، وبأدوات رقمية تنتج الأخبار الكاذبة والصور المفبركة والخطاب الموجّه، وهو ما يفوق قدرة التنظيمات التقليدية والدولة نفسها على ضبطه.

دروس انتخابات 8 شتنبر 2021

انتخابات 2021 كانت تجربة حقيقية لكيفية هيمنة المال الرقمي. بيانات “ميتا” كشفت أن الحملات الانتخابية لم تعد تقتصر على الملصقات والجولات الميدانية أو الصحافة الورقية، بل توجهت نحو منصات التواصل الاجتماعي بمنطق شركات تسويق دولية:

  • التجمع الوطني للأحرار أنفق أكثر من 270 ألف دولار خلال ستة أشهر، إضافة إلى 65 ألف دولار في الأسبوع الأخير قبل الاقتراع.

  • حزب الاستقلال أنفق نحو 29 ألف دولار.

  • فيدرالية الشبيبة التجمعية أنفقت أكثر من 9 آلاف دولار.

  • سبعة أحزاب مجتمعة لم تتجاوز إنفاقها 26 ألف دولار.

  • العدالة والتنمية اكتفى بحوالي ألف دولار فقط.

النتيجة كانت عدم تكافؤ رقمي صارخ، جعل فكرة “تكافؤ الفرص” مجرد شعار دون مضمون عملي.

الخطر الجديد: المال + الخوارزمية + التزييف

الوزير لفتيت لم يكتفِ بتسجيل هذه الفجوة، بل حدد بوضوح الخطر الحالي: قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتوى مزيف من صور وتسجيلات وأخبار، يُربك الناخب ويشكك في نزاهة الاقتراع. القانون الجديد يعالج هذا التهديد في مستويين:

1. تجريم المحتوى المضلل

النص يجرّم:

“استعمال الوسائل التكنولوجية لنشر أو بث أو توزيع أخبار أو محتوى زائف بقصد التشكيك في صدقية ونزاهة الانتخابات.”

مع استثناء للوقائع الثابتة والتحقيق الصحافي الجاد، لضمان عدم تقييد النقد السياسي المشروع.

2. تجريم الإعلانات السياسية على المنصات الأجنبية

وأهم جزء في المشروع:

أي إعلان سياسي مموّل على منصة أجنبية سيكون فعلاً مجرماً.

بهذا، يُغلق القانون الباب نهائياً على ما سمح به 2021، حيث سيطر فاعل سياسي واحد على واجهات فيسبوك وإنستغرام بفضل استثمارات مالية هائلة واستشارات رقمية محترفة، بينما اكتفت باقي الأحزاب بمحاولات خجولة.

القانون يُعيد المعركة إلى الداخل، حيث يمكن للدولة تتبع المال، ومراقبة التدفقات، وفرض شفافية حقيقية.

عقوبات صارمة وخط أحمر

المشرّع شدّد على أن:

  • العقوبات البديلة مستبعدة تماماً.

  • تضاعف العقوبات عند تكرار المخالفات.

  • ملاءمة آجال التقادم لتفادي إفلات المخالفين.

الرسالة واضحة: الجرائم الانتخابية الرقمية لم تعد مخالفة بسيطة، بل خطر على سلامة المؤسسات والنظام الديمقراطي.

السيادة الرقمية: قضية وطنية

المغرب ليس وحيداً في مواجهة هذا التحدي. من واشنطن إلى باريس، المخاوف تتزايد من حملات تأثير خارجية تستعمل الحسابات الوهمية، الروبوتات، والإعلانات المموّلة لتغيير مسار التصويت أو زعزعة ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية.

بالنسبة للمغرب، الذي يواجه نزاعات إقليمية مفتوحة، يصبح أي تلاعب رقمي في نسب المشاركة أو توجهات التصويت مسألة أمن واستقرار، وليست مجرد منافسة حزبية.

الحدود القانونية لا تكفي وحدها

رغم الصرامة، القانون وحده لا يمكنه:

  • منع أفراد الجالية المغربية من إنتاج محتوى سياسي.

  • ضبط الشبكات الغامضة التي تمزج الإخبار والتحريض.

  • إيقاف الإعلانات المقنّعة على صفحات مجهولة التمويل.

لذلك، يظل القانون جزءاً من إستراتيجية أوسع تشمل: تربية إعلامية، دعم الصحافة المستقلة، وتعزيز وعي المواطن.

خبراء: نهاية الاحتكار الرقمي

أما خبير الحملات الرقمية، يؤكد أن انتخابات 2021 أظهرت أن:

“التفوق لم يعد رهين الخطاب أو الحضور الترابي، بل بقدرة الحزب على احتلال المواقع الأفضل داخل خوارزميات المنصات.”

أما باحثة متخصصة، فترى أن إدراج الذكاء الاصطناعي في نص انتخابي مغربي لأول مرة، يعكس إدراك الدولة:

“الخطر لم يعد المال فقط، بل المال + الخوارزمية + التزييف العميق.”

وتضيف أن تجريم الإعلانات على المنصات الأجنبية يعني استعادة السيطرة على فضاء انتخابي لم يعد وطنياً بالكامل، وهو ما يمهّد لإنهاء النموذج الذي سمح للتجمع الوطني للأحرار بالهيمنة الرقمية في 2021.

مشروع القانون الانتخابي الجديد ليس تعديلًا شكليًا، بل إعلان حرب على التأثير الرقمي الخارجي وحماية الديمقراطية المغربية من التحولات الرقمية العابرة للحدود.
وهو يحذر: ما تم السماح به في 2021 لن يُسمح بتكراره بعد اليوم، ما لم تكن هناك مواكبة ثقافية، إعلامية، وتربوية لتجهيز المواطن للتحدي الرقمي القادم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى