الأوان فات: إرتباك “المجلس الوطني للصحافة” يفتح الباب لعودة وزارة الاتصال.. هل فشلت التجربة؟

تشهد الساحة الإعلامية المغربية، منذ أيام، زلزالاً هز أركان “المجلس الوطني للصحافة” الذي طال انتظاره ليكون الهيئة الضامنة لأخلاقيات واستقلالية المهنة. على خلفية قضية الصحافي حميد المهدوي وتسريب شريط فيديو من داخل مداولات لجنة الأخلاقيات، تصاعدت الأصوات المطالبة ليس فقط بمراجعة قرارات المجلس، بل بـ “فسخ” هذه الهيئة وإرجاع الإشراف على القطاع إلى وزارة الاتصال (وزارة الشباب والثقافة والتواصل حالياً).
إن الأزمة الحالية ليست مجرد خلاف تأديبي عابر؛ بل هي نتاج لسنوات من الترقب الذي لم يترجم إلى فعالية، وتمديد غير مبرر للجنة مؤقتة، وهو ما أدى إلى فقدان المصداقية والشرعية، كما أشار بيان حزب العدالة والتنمية.
كان الهدف الأسمى من إحداث المجلس الوطني للصحافة، بموجب القانون 88.13، هو تحرير القطاع من الوصاية الحكومية وإسناد مهمة تنظيم المهنة وتقنين أخلاقياتها إلى هيئة منتخبة من المهنيين أنفسهم. لكن ما حدث كان مغايراً تماماً:
-
التمديد الذي أفرغ الشرعية: ظلت الهيئة التي تدير القطاع تعمل بصفة “لجنة مؤقتة” لسنوات، وهو ما أضعف شرعيتها الديمقراطية وجعل قراراتها محط شك. هذا التمديد المتكرر، كما أكده المراقبون، أدى إلى تحول الهيئة من كيان مستقل يمثل المهنيين إلى هيكل إداري شبيه بـ “الوصاية المقنعة”.
-
أزمة التسريب وخرق المساطر: كشف شريط التسجيل المتداول عن ارتباك واضح وادعاءات بـ “تحريف” تصريحات رئيس لجنة الأخلاقيات، وهو ما يشير إلى أن القرارات التأديبية قد تكون صدرت في أجواء تفتقر إلى الضمانات المسطرية والقانونية الكافية. المداولات السرية يجب أن تحمي شفافية القرار، وليس أن تكون ستاراً لـ “تحامل” محتمل.
-
انتهاك الحقوق المكتسبة: لا يزال الجدل قائماً حول قرار سحب البطاقة المهنية من الصحافي المهدوي، وهو قرار أثار انتقادات واسعة لعدم استحضار المادة 13 من قانون الصحافة والنشر بشكل دقيق. إن سحب البطاقة هو بمثابة عقوبة الإعدام المهنية، ويجب أن يستند إلى أسس قانونية متينة لا تقبل التأويل أو التحامل.
في ظل هذه الفوضى المؤسساتية وفقدان الثقة، يرى فريق من المراقبين أن الحل يكمن في إعادة الأمور إلى نصابها الإداري تحت إشراف وزارة الاتصال، لعدد من الأسباب الجوهرية:
-
ضمان الشفافية والمشروعية: تبقى الإدارة الحكومية (الوزارة) خاضعة لمراقبة المؤسسات الحكومية (البرلمان والمحاكم الإدارية) بشكل مباشر، مما يوفر أمناً قانونياً أكبر للصحافي في مواجهة قرارات السحب أو التأديب، ويضمن التزاماً أعلى بمبدأي الدستور (الفصلين 25 و 28) المتعلقين بحرية التعبير.
-
القدرة على الإصلاح: أثبتت التجربة أن الهيئة المهنية المشرفة على نفسها لم تتمكن من التوفيق بين حماية الأخلاقيات واحترام الحقوق. أما وزارة الاتصال، فتمتلك الأدوات المؤسساتية والتشريعية لـ “تجميد” هذه التجربة الفاشلة وإعادة هيكلة القطاع بالكامل، بعيداً عن الصراعات الداخلية للمهنيين.
-
إنهاء حالة الارتباك: القضية التي وصلت اليوم إلى القضاء تشكل اختباراً لمدى قدرة المنظومة المهنية على إدارة الأزمات. وبما أن الهيئة المؤقتة اختارت اللجوء إلى القضاء ضد الصحافي، فهذا يمثل اعترافاً ضمنياً بأنها فشلت في احتواء الأزمة وتدبيرها داخلياً.
إن فقدان المصداقية والشرعية، والاتهامات بالتحامل، والمخاوف المتزايدة من أن تنعكس هذه الأزمة على صورة القطاع وثقة العاملين فيه، كلها عوامل تدفع بقوة نحو القول بأن الأوان قد حان لفسخ المجلس الوطني للصحافة، والانتقال نحو مرحلة تولي فيها الوزارة الإشراف المؤقت على القطاع، مع فتح حوار وطني شامل لإصلاح منظومة الصحافة بشكل جذري يضمن حرية التعبير ويحمي الحقوق المكتسبة للصحافيين.






