إصلاح عطب بنجليق لم يصمد سوى ساعات.. انفجار مضخة جديدة بعد إطلاق مياه سد إدريس الأول يكشف هشاشة شبكة الجر ويثير غضباً واسعاً بفاس ومكناس

تحولت أزمة انقطاع الماء الصالح للشرب بمدينتي فاس ومكناس إلى قضية رأي عام، بعدما تجاوزت مدة الانقطاع 72 ساعة متواصلة، في وقت كانت فيه الساكنة تنتظر عودة المياه عقب الإعلان عن إصلاح العطب الأول على مستوى منطقة بنجليق بضواحي فاس، غير أن ظهور عطب جديد مباشرة بعد استئناف عملية الضخ أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر، وكشف أن شبكة جر المياه القادمة من سد إدريس الأول تعيش وضعاً تقنياً مقلقاً عنوانه الأعطاب المتكررة.
وكانت الفرق التقنية التابعة للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب قد نجحت، مساء أمس، في إصلاح العطب الأول الذي أصاب قناة الجر الرئيسية بمنطقة بنجليق، قبل أن يتم إطلاق حقينة المياه من سد إدريس الأول في اتجاه شبكة التوزيع، وسط آمال كبيرة بعودة التزويد تدريجياً إلى مختلف الأحياء والمناطق المتضررة.
غير أن هذه الآمال سرعان ما تبددت، بعدما سجل انفجار مضخة أخرى على مستوى منظومة الجر، ما أدى إلى توقف عملية الضخ من جديد، وإطالة أمد الانقطاع، وهو ما أثار موجة استياء وغضب واسعة في صفوف المواطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام سيناريو يتكرر في ظرف ساعات قليلة.
ويؤكد هذا التطور، بحسب عدد من المتابعين، أن الإشكال لم يعد مرتبطاً بعطب عرضي أو حادث تقني معزول، وإنما يكشف عن هشاشة بنيوية في شبكة جر المياه، إذ أصبح إصلاح جزء من المنظومة يقابله ظهور أعطاب جديدة في أجزاء أخرى بمجرد استئناف الضخ، وهو ما يفرض إعادة تقييم شاملة للبنية التحتية التي تزود واحدة من أكبر الجهات بالمملكة بالماء الصالح للشرب.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات حقيقية حول مدى جاهزية هذه المنشآت الحيوية، وحول برامج الصيانة الوقائية التي يفترض أن تحمي هذا الخط الاستراتيجي من الأعطال المتكررة، خاصة وأنه يمثل شرياناً أساسياً لتزويد فاس ومكناس وعدد من الجماعات المجاورة.
وفي المقابل، تواجه الإدارة المركزية للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، بقيادة مديرها العام طارق حمان، انتقادات متزايدة، حيث يرى عدد من الفاعلين أن حجم الأزمة كان يقتضي حضوراً ميدانياً مباشراً من أعلى مستوى داخل المؤسسة، بالنظر إلى تأثيرها على مئات الآلاف من المواطنين وعلى مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية.
ويرى منتقدون أن تدبير الأزمة اقتصر على بلاغات وتطمينات متتالية، في حين كانت الساكنة تنتظر تواصلاً أكثر وضوحاً، وإعلان خطة دقيقة لمعالجة أصل المشكل، بدل الاكتفاء بإصلاحات ظرفية سرعان ما تكشف الوقائع محدودية أثرها.
كما يطالب متابعون بفتح افتحاص تقني شامل لمنظومة جر المياه القادمة من سد إدريس الأول، يشمل القنوات الرئيسية ومحطات الضخ والتجهيزات المستعملة، مع مراجعة برامج الصيانة الدورية والوقوف على مدى جاهزية الشبكة لتحمل الضغط الكبير الذي تعرفه خلال فصل الصيف.
وتشدد أصوات عديدة على ضرورة تحديد المسؤوليات في حال ثبت وجود اختلالات تقنية أو تقصير في الصيانة أو في إنجاز بعض مكونات المشروع، وذلك في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة وأن الأمر يتعلق بمرفق حيوي يرتبط مباشرة بحق المواطنين في الماء، وباستثمارات عمومية ضخمة.
وفي خضم هذه الأزمة، برزت الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس في الواجهة من خلال مواصلة تعبئة فرقها التقنية لتدبير عملية التوزيع والتنسيق مع السلطات المحلية والإقليمية، والعمل على مواكبة مختلف المستجدات، غير أن دورها يبقى مرتبطاً بتوزيع المياه فور توصلها بها، في حين أن الخلل الحالي يهم منظومة إنتاج ونقل المياه التي يشرف عليها المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.
كما واصلت السلطات الإقليمية والمحلية تعبئة مختلف مصالحها لتتبع تطورات الوضع والتخفيف من آثار الانقطاع على الساكنة، في انتظار استعادة عملية الضخ بشكل طبيعي، بعدما تحولت أزمة الماء إلى هاجس يومي بالنسبة للأسر والمؤسسات والمرافق الاقتصادية.
إن ما وقع خلال الساعات الأخيرة يؤكد أن أزمة فاس ومكناس ليست مجرد انقطاع عابر للماء، بل إنذار حقيقي بضرورة إعادة النظر في تدبير البنية التحتية المائية بالجهة. فإصلاح عطب بنجليق مساء أمس، ثم انفجار مضخة جديدة مباشرة بعد إطلاق حقينة المياه من سد إدريس الأول، يبرز بما لا يدع مجالاً للشك أن شبكة الجر أصبحت تعيش على وقع الأعطاب المتتالية، وأن الوقت قد حان لإطلاق برنامج استعجالي لإعادة تأهيلها بشكل شامل، حتى لا تتكرر معاناة مئات الآلاف من المواطنين مع كل عطب جديد.






